هل تتحوّل "البلطجة" وظيفة رسميّة في مصر؟

هل تتحوّل "البلطجة" وظيفة رسميّة في مصر؟

وافق قسم التشريع في مجلس الدولة في مصر على مشروع قانون استحدث فئة جديدة داخل هيئة الشرطة اسمها "الشرطة المجتمعية". يعطي المشروع عناصر هذا الجهاز صفة الضبطية القضائية، وهو ما يسمح لعناصره بتوقيف مواطنين. لذلك، يخشى معارضون من قوننة عمل "البلطجية".

ستكون إحدى مهمات "الشرطة المجتمعية" تحقيق "الانضباط الأخلاقي" داخل المجتمع، وسوف يسمح لأفرادها المعروفين باِسم "معاوني الشرطة المجتمعية" بارتداء الزي المدني. يتخوّف المعارضون من القمع الذي يمكن أن يحدث نتيجة التوسّع في تفسير مصطلح "الانضباط الأخلاقي" كما يتخوّفون من إدخال "البلطجية" المؤيدين للسلطة إلى هذا الجهاز وتوجيههم لقمع كل معارض. ويتساءلون: لماذا لم يُفتح الباب لدخول عناصر جديدة إلى هيئة الشرطة في إطار القوانين؟ في المقابل، يرى مؤيدو المشروع أنه مهم كونه سيخلق فرص عمل للشباب ويساعد القوات النظامية في التركيز على مكافحة الإرهاب وأعمال الشغب.

يكرس النظام الحالي كل طاقته من أجل فرض قبضته الأمنية على البلاد. فبعد أن أصبح الإعلام والقضاء تحت سيطرته، يسعى إلى فرض سلطته على طلاب الجامعات، وأخيراً، على المجتمع من خلال هذا القانون الجديد. وبذلك سيضمن سيطرته على كل شيء، خاصة أن التظاهرات أصبحت بمثابة صداع في رأسه هو الذي يخوض في الوقت نفسه حرباً ضد الإرهاب.

السيطرة على المجتمع

المشكلة في هذا المشروع وفي غيره من القوانين، أنها تصدر في ظل غياب سلطة تشريعية تناقشها وفي ظل تقارب مثير للجدل بين السلطتين التنفيذية والقضائية يسهّل إمرار قوانين وإجرءات تصبّ في مصلحة النظام وتسمح له بالتفرّد في الحكم.

فكرة السيطرة على المجتمع ليست جديدة على الأنظمة في مصر. ففي عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك تم إنشاء جهاز "أمن الدولة" الذي طارد المعارضين. ومنذ تفكيك هذا الجهاز بعد الثورة، عملت الشرطة على البحث عن بديل جديد يضمن بقاء سيطرتها على المجتمع وكذلك مواجهة معارضيها.

قبل تنحي الرئيس مبارك، أدرك رؤوس النظام أهمية دور "البلطجية" في التصدي للثوار. هذه الفئات التي يسمّيها الشارع المصري "المواطنين الشرفاء" شكلت وسيلة ذكية للتهرب من الإدانات الدولية وإدانات منظمات حقوق الإنسان، خاصة أنها أعفت الشرطة من الاصطدام بالمتظاهرين. كذلك ساعدت على تحسين صورة النظام السابق من خلال القول إنه لا يزال هناك من يؤيده وينزل إلى الشارع ليدافع عنه.

عقب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، أصبح "المواطنون الشرفاء" يداً أساسية للنظام الجديد وتصدوا للتظاهرات المطالبة بعودة الإخوان المسلمين وبشكل خاص خلال الشهور الأولى. فلم نسمع عن تظاهرات لموالين للإخوان في أي منطقة لم يَنْهَل عليهم "الشرفاء" بالضرب. استخدمهم النظام ليقول إن الشعب هو مَن يتصدّى للإخوان.

مشروع قانون الشرطة المجتمعية

طبقاً للمفهوم التقليدي لمصطلح الشرطة المجتمعية، هي أحد أجهزة الشرطة المسؤولة عن أمن المجتمع، ودورها هو مساعدة الشرطة في مواجهة الجرائم التي تهدد أمن المواطنين.

يحدّد مشروع القانون شروط تعيين "معاوني الشرطة المجتمعية" وتأهيلهم وترقيتهم وتأديبهم وفق أسس ومعايير خاصة ويمكن الاستفادة منهم في التصدي للجرائم وللمحاولات التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار في البلاد.

في الظروف المصرية، لا يمكن إلا أن ندرج مشروع القانون هذا ضمن سلسلة من القوانين ذات الأهداف السياسية كقانون التظاهر، وإعلان الإخوان منظمة إرهابية، وحظر بعض القوى الثورية وعلى رأسها 6 أبريل وكذلك الألتراس. حتى وإن كان المشروع يهدف إلى الحفاظ على أمن المواطنين، لكن، مع أن الشرطة لا تمتنع عن التصدي بوحشية لأيّة تظاهرة معارضة، هناك مخاوف جدية من ممارسة "معاوني الشرطة" القمع ضد المتظاهرين في وقت صار التظاهر أو التجمع جريمة.

آلية تشكيلها

حدّد مشروع القانون سن المتقدمين لوظيفة "معاون الشرطة المجتمعية" بين 19 و23 عاماً، كما اشترط أن يكونوا حاصلين على الشهادة الإعدادية أو ما يعادلها، وأن يكونوا مصريين، من أبوين يتمتعان بالجنسية المصرية بالولادة وليس بالتجنيس.

وأسند المشروع إلى وزير الداخلية صلاحية تحديد شروط قبول الطلاب، وإعداد المناهج النظرية والعلمية التي سيدرسونها. كما حدد النص مدة الدراسة في معاهد الشرطة بـ18 شهراً.

من جانب آخر، ركز المشروع على وضع العديد من الضوابط القانونية لمنع هؤلاء المعاونين الجدد من المطالبة بتغيير القانون وطلب الترقية للتحول إلى فئة جديدة مثلما فعل أمناء الشرطة. كذلك تضمن قواعد تأديبية تسهّل على الوزارة التخلص من أي عنصر يعارض هذه الضوابط.

التصدي لأمناء الشرطة

يبدو أن الحكومة أرادت أن تضرب عصفورين بحجر واحد. تسعى هيئة الشرطة إلى تصفية حساباتها مع أمناء الشرطة الذين نفذوا إضرابات وتظاهرات عدّة خلال الفترة الأخيرة وقاموا بإغلاق بعض الأقسام والامتناع عن العمل وترك الخدمة مثلما حدث في مدينة العريش بشمال سيناء العام الماضي. ضاقت الشرطة ذرعاً من الاضرابات والمطالب المتزايدة لأمناء الشرطة وسعيهم إلى المساواة مع الضباط، إذ نجح هؤلاء الأمناء في استصدار قانون بعد ثورة يناير يسمح لهم بمتابعة الدراسة والترقي إلى منصب ضابط.

ونتيجة لذلك، أقدم الآلاف من أمناء الشرطة على تسجيل أنفسهم في كلية الحقوق وتحول عدد كبير منهم بالفعل إلى ضباط. وعدا المبالغ الطائلة التي تكبدتها وزارة الداخلية، حدث اضطراب هيكلي داخل جهاز الشرطة نتيجة زيادة أعداد الضباط والنقص المستمر في الأمناء، وهذا ما دفعها إلى التفكير في إنشاء هيئة جديدة لها قوانين ثابتة تسد العجز المتزايد في عدد الأمناء.

أمننة أم استقرار؟

ترى منظمات حقوقية وثورية عدّة وبعض الأحزاب أن هذا المشروع يهدف إلى تقنين وجود البلطجية و"المواطنين الشرفاء" في صفوف الشرطة وزرع عيون لها داخل المجتمع، في حين يعتبر خبراء أمنيون وكثير من الأحزاب أن هذا القانون يعدّ محاولة جيدة من الشرطة للتقرب من المجتمع ولحثّ المواطنين المدنيين على التعاون مع رجال الأمن سعياً إلى تحسين الأوضاع الأمنية.

حركة شباب 6 أبريل رفضت المشروع. أكدت أن هذا الاتجاه سيزيد المشاكل بين الشرطة والمواطنين. وأشارت في بيان إلى أن إنشاء الشرطة المجتمعية هدفه تقنين وجود البلطجة بين صفوف الشرطة، لافتةً إلى أنه تم رفض هذا القانون من قبل في عهد مرسي.

في الاتجاه نفسه، انتقد "المرصد العربي للحقوق والحريات" المشروع مؤكداً تجدُّد المخاوف من سعي وزارة الداخلية إلى أمننة المجتمع عبر تحويل المواطنين أدوات مقننة لجمع المعلومات بعضهم عن بعض. وأكدت "التنسيقية المصرية للحقوق والحريات" أن منح الحق لمواطن يرتدي زياً مدنياً بالقبض على مواطن أخر يكرس العنف ويزيد من القهر وكبت الحريات.

وفي السياق عينه، أكد الخبير الأمني والعقيد المتقاعد، محمد عبد الرحمن في حديث لرصيف22 أنه يوافق على القانون بشكل جزئي، لكنه يرفض منح الضبطية القضائية لغير دارسي القانون لأنهم ليسوا على دراية كبيرة بكل موادّ القانون. وأضاف: "رفضي مردّه أنه غالباً ما تُستخدم هذه الصلاحية لإحداث المزيد من الاستقطاب داخل المجتمع". ولفت إلى أن الشرطة المجتمعية مهمة لكن ينبغي أن يسبق تشكيلها الانتهاء من برامج العدالة الانتقالية.

كلمات مفتاحية
العنف مصر

التعليقات

المقال التالي