كيف يقضي الدمشقيون لياليهم؟

كيف يقضي الدمشقيون لياليهم؟

تقول الأسطورة إن قذائف الهاون تكفّ عن التساقط في الظلام، وأنه يمكنك التجوّل بأمانٍ- منها على الأقل- في شوارع دمشق ليلاً، ما دمتَ تحمل تأجيلاً غير منتهي الصلاحية لخدمة العلم بالطبع. بعد عودة الموظفين والطلاب إلى منازلهم، تخلو شوارع دمشق، وتعود حسابات زمن التنقل بين شارع وآخر إلى القواعد الأولى، قبل الحواجز والازدحام، وكأن شيئاً لم يحصل. يخرج أولئك المؤمنون بأسطورة الليل الآمن، أو المتحجون بها، ليستعيدوا بعضاً من المرح الذي سلبته الحرب.

يقول البعض إن دمشق باتت تشبه بيروت بشكلٍ كبير، ويراهن أولئك أن قرين شارع الجميزة في بيروت، سيكون شارع باب شرقي في دمشق القديمة، حيث تكثر وتتكاثر الحانات وأماكن السهر. بعض هذه الحانات مخصصٌ لقضاء ليلة هادئة، يمكنك الاستمتاع فيها بموسيقى لطيفة، وحديثٍ خفيف مع شريكك، أو الجلوس إلى منضدة الساقي إن كنت تهوى الوحدة. بعضها صغيرٌ على نحو يكفي ليكون كل من في الحانة ساهراً معك، كحانة "أبو جورج"، إحدى أقدم الحانات في دمشق عموماً والمدينة القديمة خصوصاً. معظم الزبائن أصدقاء لأبو جورج وأبو عصام اللذين يديران المكان، ويزوران الطاولات الأربع التي يحويها للمشاركة في أحاديث الجالسين إليها أو حسم القضايا العالقة بين الساهرين. وحين يذهب الجميع، إن كنتَ وحيداً، ولا أحد لديك لتعود إليه، لا يمانعان أن تشرب كأساً أو اثنتين ريثما ينتهيان من تنظيف المكان وترتيب الطاولات، لتطالعك على الجدار خلف الساقي عبارة من مئات العبارات المكتوبة على جدران الحانة، تذكرك بوجود العرق إن نفدت الكهرباء.

Damas-Nightlife03

على بعد عشرات الأمتار من أبو جورج، الليالي أقل هدوءاً، والرقص والموسيقى لا يتوقفان حتى الساعة الثالثة أو الرابعة صباحاً أحياناً. كل ليلة تقدم كعكات أعياد الميلاد أو التخرج أو الخطبة أو الزواج أو أي حجّةٍ أخرى يجتمع لأجلها الساهرون. السياسة ليست غائبة تماماً عن الأندية الليلية، فالأغاني "الوطنية" حاضرة للرقص والدبكة على أنغامها، وأغاني الحب التي تحوي مصطلحات حربية، كالطلقة الروسية والكيماوي، لا تشكل عائقاً أمام استمرار الرقص، ولا تذكر الراقصين بما لم ينسوه أصلاً.

Damas-Nightlife04

ارتفاع الأسعار لم يستثنِ الكحول، التي قفزت أسعارها بنسبة 200 إلى 300% تقريباً، ولكن هذا الأمر عجز عن تخفيف ازدحام النوادي الليلية والحانات، سواء باستخدام أنواع وطنية من المشروبات بدلاً من المستوردة لتخفيف التكلفة، أو بالاستفادة من عادة إقامة الحفلات في الحانات بدلاً من صالات الفنادق والأعراس. تنتشر هذه الوسيلة في سوريا في المدة الأخيرة لتفادي التكاليف المرتفعة للمناسبات الاجتماعية.

اضطرار الكثيرين إلى تغيير أنشطتهم الليلية المعتادة إلى أخرى أقل تكلفة، وهروب آخرين إلى أقرب مكانٍ يحوي كهرباء وشبكة إنترنت أثناء انقطاع التيار الكهربائي، إضافة إلى صعوبة التنقل خارج المدينة وانحسار نشاط الكثيرين إلى داخلها وحسب، كل ذلك كان من العوامل التي أعطت دفعة كبيرة للمقاهي في مدينة معروفة أصلاً بكثرة مقاهيها. بعد أزمة لم يبلغ عمرها السنة، عادت المقاهي بأنواعها للازدهار في دمشق، وبات افتتاح المزيد منها حدثاً اعتيادياً في العاصمة السورية.

مقهى (أو قهوة) الكمال الدمشقي نموذج ناصع عن صمودها. هو من أوسع المقاهي في دمشق، وأكثرها إصراراً على الاستمرار. يقول العرف إنه منطقة مخصصة للذكور، وملجأ لألعاب الورق وطاولة الزهر الطارئة، ومشاهدة مباريات كرة القدم. في الليل تختلف الأجواء تماماً. المراوح لا تتوقف عن الدوران لتخفيف كثافة دخان السجائر والأراكيل، والإضاءة المعتمدة على مصابيح النيون تستمر، ولكن يختفي زبائن النهار الباحثون عن مكانٍ للعمل، ليصبح المكان في ساعات الليل المبكرة ملكاً لمتابعي مباريات كرة القدم. أما في ساعات الليل المتقدّمة فيصبح الضجيج أقل. بالإضافة إلى لاعبي الورق وطاولة الزهر، الذين يشكلون جزءاً من ملامح المكان، ترى زبائنَ أكثر هدوءاً يحتسون القهوة للتعافي من آثار الكحول، أو يجلسون لمجرد تبادل أحاديثٍ ريثما يبزغ الصباح. وغالباً لا يكفي رجوع المدينة إلى الحياة ليتركوا المكان.

معظم المقاهي غير المخصصة لخدمة سكان منطقة بذاتها، تتركز في المدينة القديمة، أو في المناطق الثرية من دمشق مثل أبو رمانة والمالكي والشعلان، إضافة للضواحي الكبرى، كمدينة جرمانا، وهي لا تفتح أبوابها أربعاً وعشرين ساعة، ولكنها تستمر حتى ساعات متقدّمة من الليل. أما المناطق التي تحوي مقاهي صغيرة مخصصة لسكانها، فتعتمد بشكل أساسي على الزبائن الدائمين.

إن لم تكن من هواة المقاهي أو التعامل مع النُدل، فإن الكثير من مقاهي الإنترنت تستمر بالعمل حتى ساعات الصباح الأولى أحياناً، متيحة لزبائنها خياراتٍ قليلة من المشروبات، والكثير من الوقت لاستخدام الإنترنت. حلّ يلجأ له الكثيرون من النازحين الجدد، ممن لم يستقروا في مكانٍ يؤمن لهم الخدمات نفسها التي كانت موجودة في منازلهم، وإحداها الاتصالات.

ثقافة التسويك

التسويك، لغوياً مشتق من "سوكة"، أي زاوية. تعريفاً، هو الوقوف على زاوية أو بقعة محددة من شارع عام مخصص للمشاة أو للسيارات والمشاة، وقضاء ساعات طويلة من النهار أو الليل فيه مع مجموعة من الأصدقاء، بهدف متابعة المارة، أو الهروب من التقنين الكهربائي، أو توفير المال، على أن يكون ممارسو التسويك جميعاً أو معظمهم من سكان الحي الذي يمارسونه فيه. يمثل التسويك، في دمشق خصوصاً، التحدي الأوضح من قبل المدنيين لقذائف الهاون، من خلال الوقوف لساعاتٍ طويلة في الشوارع المكشوفة دون حراك.

التسويك ليست ظاهرة جديدة، ولكنها بدأت بالانتشار من جديد والتوسع مع استطالة ساعات تقنين الكهرباء، واستحالة قضاء الوقت في المنزل أثناءها، خصوصاً في ساعات الصيف الحارة، إضافة إلى ارتفاع تكلفة الجلوس في المقاهي والحانات. الخدمات المتصلة بالتسويك والوقت المقضي في الخارج تتكاثر بدورها: بائعي القهوة الساخنة ومشتقاتها، بائعي الطعام، وبسطات بيع الدخان وتحويل أرصدة الهواتف النقالة. بإمكانك أن تشرب قهوتك، تتناول وجباتك الثلاث، وتليها بكوبٍ من الشاي، وتتسلى بقطعة حلوى ما أو طبق من سلطة الذرة مع المايونيز وجبنة الشيدر، وتشرب في المساء الجعة، أو الجلاب والليمون المثلج إن لم تكن كحولياً، دون أن تضطر للوقوف تحت سقفٍ واحد. قد تقاطعكَ قذيفة هاون أو رصاصة ساقطة، من اشتباكٍ قريب أو تشييعٍ أقرب، ولكن في اليوم التالي بإمكانك المرور على "سوكتك"، وستجدها بانتظارك، كما هو ليل دمشق، بانتظارك دائماً.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

كلمات مفتاحية
دمشق سوريا

التعليقات

المقال التالي