رهان الدول العربية على الكازينوهات

رهان الدول العربية على الكازينوهات

الأصوات التي تصدرها الفيشات عندما تقذفها الآلات لدى ربحك في لعبة بوكر أو بلاك جاك أو غيرها من ألعاب القمار من شأنها أن تشعرك بأنك نيرون. تلك الأصوات ليست سوى "كودات" مشفّرة مدروسة لتدفعك إلى إدمان معارك الرهانات وما يرافقها من أدرينالين، فيحقق الكازينو أرباحاً يمكنها أن تُسند خزينة دولة بأكملها، أو تملأ جيوب بعض السياسيين الجياع. القمار محرّم في العديد من الديانات والثقافات، ولكن البلدان العربية، التي تحرّم غالبيتها هذه الألعاب المربحة علناً، تبيحها سرّاً، حتى لا تستفيد الكازينوهات في بلادٍ أخرى في المنطقة من أموال كبار هواة اللعب. إليكم كيف تراهن الدول العربية بعضها مع بعض، من خلال رمية نرد في طاولة اللعب.

مصر

أهلاً بكم في كازينو الشرق الأوسط. مصر تضم أكبر عدد من الكازينوهات في المنطقة، فيها 26 كازينو يتوزعون بين الاسكندرية، والقاهرة، وشرم الشيخ، وطابا. أكبر هذه الكازينوهات هو كازينو علاء الدين Aladin في شرم الشيخ، الذي يضم طاولتين للعب القمار و100 ماكينة فيديو بوكر. تشرف على اللعب شركات قمار عالمية مثل المجموعة الدولية لمنتجعات اللعب International Group of Gaming Resorts التي تدير 3 كازينوهات في القاهرة، ونوادي لندن الدولية London Clubs International الموجودة في مصر منذ عقدٍ من الزمن ولها كازينوان، ومجموعة الكازينوهات الفرنسية لوسيان باريار Lucien Barriere. في العام 2011 نشر موقع فايننشل تايمز Financial Times تقريراً عن الاعتداءات التي تعرضت لها كازينوهات مختلفة في مصر على يد أصوليين. عدد الضحايا الذي نتج من تلك الاعتداءات أثّر على تدفق العرب إلى كازينوهات مصر، حتى إشعارٍ آخر.

القانون المصري يحرّم دخول المواطنين المصريين إلى الكازينو للعب القمار، برغم أن معظم موظفي الكازينوهات يحملون الجنسية المصرية، ويبيحه للزوّار العرب. لكن أشجار الفاكهة المحرمة المزروعة هنا وهناك في أرجاء مصر، لا تساعد المواطن المصري على كبت رغباته في اللعب. يدفع ذلك بالكثيرين إلى تزوير هوياتهم أو جوازات سفرهم بهدف المقامرة. ففي العام 2010 على سبيل المثال، اُتّهم عضو في مجلس الشعب عن الحزب الوطني بتزوير جوازات سفر من أجل الدخول مع أصدقائه إلى الكازينو. يذكر أن الحكومة المصرية تفرض ضريبة 40% على أرباح الكازينوهات، تستخدم في تمويل مجالات عدة في الدولة، وتعدّ مصدراً مهماً للدخل القومي.

لبنان

يحتضن لبنان أحد أهم كازينوهات الشرق الأوسط، كازينو لبنان، الذي افتتح أبوابه للعب عام 1959 وكان نقطة تجمع أغنياء العالم، في عدادهم أوناسيس Onassis. تدهورت أحوال الكازينو خلال الحرب اللبنانية التي اندلعت في منتصف السبعينات من القرن الماضي وأقفل أبوابه، إلى أن أعيد ترميمه وافتتاحه في العام 1996. يقيم الكازينو منذ العام 2007 دورة تكساس هولديم Texas Hold'em poker للهواة العرب. 25% من زوار الكازينو يحملون جنسيات عربية، ولكن هذه النسبة قد تراجعت مع الأزمة السورية التي تسببت بانخفاض أرباح شركة كازينو لبنان بشكلٍ حاد. يدفع الكازينو سنوياً ضرائب مقدارها 40% من أرباحه. القانون يعطي كازينو لبنان الحقَ الحصري في استثمار ألعاب القمار، ولكن في لبنان، اليوم، المئات من صالات القمار وماكينات البوكر، الموزعة في الشوارع السكنية بطريقة غير شرعية. دفع ذلك بكازينو لبنان إلى رفع دعوى أمام مجلس شورى الدولة مطالباً بتعويض يزيد على 100 مليون دولار.

تونس

تحتضن تونس حالياً 3 كازينوهات، اثنان منها في مدينة حمامات ويضمان 7 طاولات للعب و190 ماكينة فيديو بوكر وألعاب القمار. يعدّ Grand Pasino Djerba في جربة أكبر الكازينوهات في تونس، يضم 20 طاولة لعب ويجذب عدداً مهماً من السيّاح كل عام. في تقريرٍ عن وضع الكازينوهات في الشرق الأوسط اليوم، نشره موقع Global Betting and Gaming Consultants المختص، 4 كازينوهات قد أقفلت أبوابها في تونس خلال العقد الأخير وحده، وهذا ما يدل على تدهور وضع ذلك القطاع، لا سيما بسبب الأحداث السياسية الأخيرة التي نتج منها انخفاض ملحوظ في عدد السواح.

الكويت

يملك الخارجون عن القانون في الكويت هواية تبييض الأموال من خلال إدارة كازينوهات غير شرعية. بدأت هذه الظاهرة تجتاح الكويت منذ بضع سنوات، برغم منع القانون المحلي منعاً قاطعاً أي نوعٍ من أنواع القمار. تؤكد التوقيفات التي تكاثرت مع تفاقم ظاهرة القمار خلسةً، منذ بداية العقد الحالي، أن الحريصين على صالات القمار ليسوا إلا سماسرة يعملون لدى شخصيات كبيرة في المجتمع الكويتي، في شققٍ تمتلكها عائلات معروفة، معزولة صوتياً لإبعاد أي شبهات ومجهّزة بأحدث الماكينات. ما يدلّ على مدى ظاهرة المقامرة في الكويت وجدية التعامل معها، هو اللجوء إلى موظفين محترفين من عالم الكازينوهات العالمية ليديروا بأنفسهم الألعاب في الصالات السرية. في مداهمة أنجزتها الشرطة في شقة بالسالمية شهر فبراير الماضي، قُبض على دكتور كويتي و33 شخصاً من جنسيات مختلفة، منهم مواطن أمريكي يملك كازينو في الولايات المتحدة، ومواطنون أوروبيون سبق أن عملوا في كازينوهات عالمية قبل الانتقال إلى الكويت مقابل مرتبات عالية جداً. الذي فضح أمر الكازينو السري للشرطة هو رجل كويتي خسر فيه نحو 700 ألف دولار، وهو مبلغٌ يدل على غياب أي سقفٍ رقمي للرهان من شأنه حماية المواطنين من خسائر فتاكة. اتضح لاحقاً في القضية نفسها أن الطبيب الذي أقيل من وظيفته، ليس إلا شقيق قيادي سابق في وزارة الداخلية، متهم أيضاً بجرم الاشتراك في إدارة أحد كازينوهات السالمية. كذلك تداولت الوسائل الإعلامية شريط فيديو في أواخر العام الماضي، يظهر مداهمة رجال الشرطة كازينو كبيراً في العاصمة الكويتية.

دبي

تبنّت دبي فكرة ذكية لتجمع بين مرح الرهان وتقاليد ثقافتها، فشرّعت المراهنات الرياضية على سباقات الخيل والجمال. تلك الهواية العربية العريقة لا يمكن أن تكتمل بدون مقامرة، وخوض التجربة هذه سيكون ممتعاً في أكثر حلبات السباق تميزاً في دبي، مثل مضمار ند الشبا لسباقات الخيل أو مضمار جبل علي. لكن لحلبات السباق هذه خطورة واحدة، وهي إمكان تعرضك للاصطياد من قِبل عناصر المراهنات غير الشرعية. قد يتسبب لك الوقوع في فخهم بعامين خلف القضبان وحوالى 5000 دولار غرامة مالية. ولكن برغم عدم السماح بأي نوعٍ آخر من المقامرة في دبي، تنتشر بعض الكازينوهات السرية التي غالباً ما تكون في مستوى أفخم كازينوهات لاس فيغاس. في العام 2012، تمّت مداهمة كازينو يضم 30 ماكينة لعب موزعة في موقف للسيارات يستأجره 3 أوروبيون ورجل آسيوي في مساكن ساحل الجميرة، وفي العام 2013، قُبض على 16 شخصاً بينهم إماراتيان، يديرون ويروّجون لصالة لعب كبيرة في الجميرة.

المغرب

7 كازينوهات تتضمن نحو 140 طاولة لعب، و 1411 ماكينة لعب، و19 طاولة بوكر. أغادير وحدها تضم 3 كازينوهات مع 324 ماكينة لعب، أما مدينة الجديدة، فتحتضن أكبر كازينو في المغرب في منتجع مزاكان Mazagan Beach & Golf Resort، مع 46 طاولة لعب، 10 طاولات بوكر، و476 ماكينة. بهذه الأرقام الكبيرة من ماكينات اللعب، نستدرك أن المقامرة تجذب الكثير من المواطنين المغاربة الذين لا تتخطى قدراتهم المادية ألعاب المكينات. تقول الإحصاءات أن 3 ملايين مغربي يتعاطون القمار، أي أكثر من 10% من إجمالي سكان المغرب، وينفقون أكثر من 300 مليون دولار كل عام.

الأردن

أثارت أموال الرهان لعاب سياسيي الأردن على مدى سنين طويلة، بدون الوصول إلى نتيجة واضحة. منذ أعوامٍ قليلة، ضجّ الإعلام الأردني بقضية الكازينوهات والرخص التي حصل عليها بعض السياسيين لافتتاح منصة جديدة للّعب. 4 رؤساء حكومات سابقون تفاوضوا ما بين عامي 2003 و2008 وعقدوا اتفاقات لإعمار كازينوهات، على رأسهم كازينو البحر الميت، بطريقة مخالفة للقانون، لكون القوانين الأردنية تدين القمار وتعطي "الضحية" الحقّ في استرجاع خسائرها. ربما هي ذكرى "فندق وكازينو البحر الميت" الذي كان مشهوراً في الخمسينات من القرن الماضي، وذكرى الروح الانفتاحية التي كانت تسود في البلاد التي هي يحلم بها البعض، ولكن الأسلوب السري لا يمكن أن يكون الحل لاسترجاع نوستالجيا الماضي.

سوريا

الكازينو الوحيد الذي افتتح أبوابه في دمشق في العام 2011 انتهى كبش محرقة في الأحداث التي سبقت الحرب السورية. ليلة رأس سنة 2011، أقيمت سهرة صاخبة في كازينو Ocean Club في دمشق احتفالاً بمرور أسبوعٍ على افتتاح أبوابه، كأول كازينويتم افتتاحه منذ 25 عاماً في سوريا. في السبعينات، أغلقت 3 كازينوهات ذات شهرة عالمية بضغوط ملحة من رجال الدين، وحُظّر لعب القمار في سوريا. ولكن النظام السوري سمح مجدداً بافتتاح كازينو باستثمار خالد حبوباتي، في المكان نفسه حيث كان والده قد أقام كازينو فندق المطار أيام حكم حافظ الأسد. خطوةٌ كان ليستفيد منها الاقتصاد المحلي، وتخرج البلاد من الممارسات التي كانت تحصل تحت الطاولة، غير أن الأمر أغاظ المتدينين السوريين. هذا ما دفع النظام لإعادة إغلاق الكازينو بعد مرور 4 أشهر فقط على افتتاحه، ليرضيهم ويحاول إخراجهم من الشارع.

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي