جهاد غبن: من ناشط مدني مجهول إلى جهادي مشهور

جهاد غبن: من ناشط مدني مجهول إلى جهادي مشهور

لم يمرّ خبر مقتل الشاب الأردني جهاد غبن (20 عاماً) الملتحق بصفوف جبهة النصرة "المتشددة" على يد الجيش السوري مرور الكرام في أوساط الناشطين السياسيين الأردنيين. الاهتمام بجهاد أتى على عكس ما كان يحدث مع الأخبار التي تتحدث عن مقتل أردنيين في سوريا، والتي لم تثرِ اهتمام أحد.

حظي مقتل الشاب غبن الذي قتل في الخامس والعشرين من الشهر الماضي باهتمام واسع، وأثار ردود فعل لدى ناشطين سياسيين أردنيين تطرقوا إلى قصته على مواقع التواصل الاجتماعي.

فغبن معروف في ذلك الوسط. كان بمثابة الجندي المجهول في أوج فترة الحراك الشعبي الأردني الذي رافق انطلاق الربيع العربي. لم يكن كغيره من الناشطين ضيفاً دائماً في وسائل الاعلام الأردنية ولكنه كان من أهم الفاعلين في الاعتصامات والمسيرات. تقريباً، لم يغب عن أيّة فعالية في الشارع الأردني طالبت بالاصلاحات السياسية والاقتصادية. كان هو وحقيبته التي اعتاد حملها، يتحرك بخفة بين صفوف المعتصمين رافعاً كل مرة لافتة تحمل شعاراً مطلبياً يتفرّع عن الشعار المطلبي الأول الذي تبنّاه الحراك الشعبي الأردني في العام 2011 "خبز، حرية، عدالة اجتماعية".

كان من غير الممكن بل من المستحيل على مَن يتعامل مع جهاد أن يعرف ما هي ميوله واتجاهاته السياسية، وإن كان مقرّباً منه. فتارةً تشعر أنه أقرب إلى فكر جماعة الإخوان المسلمين وتارةً أخرى ترى فيه اليساري أو الشيوعي وفي أحيان كثيرة تشعر أنه أقرب إلى الليبراليين.

ربما كان تخبطه في البحث عن هوية ينضوي تحتها هو العامل الرئيسي في توجهه إلى الحدود الأردنية، في منتصف العام 2013، من دون سابق إنذار أو حتى تلميح، وانضمامه إلى تنظيم جبهة النصرة ذي الفكر السلفي المتشدد.

خبر انضمام غبن إلى جبهة النصرة، وقد أعلنه بصراحة على صفحته على موقع فيسبوك، شكّل صدمة للناشطين السياسيين في الأردن. إلا أن هذه الصدمة تجمدت مع الوقت وباتت الصور والمنشورات التي تدعو إلى القتال والتي كان ينشرها غبن أمراً عادياً بالنسبة إليهم.

ولكن بعد نشر خبر مقتل غبن وشيوع صورته وهو يفترش الأرض مقلوباً على بطنه وآثار الرصاص ظاهرة على جسده، تحول ما كان يعتبر أمراً عاديّاً في مسيرته إلى مسألة استدرجت سيلاً من التبعات على النظام السياسي الأردني من جهة وعلى الأحزاب الأردنية من جهة ثانية إضافة إلى لوم الناشطين أنفسهم على عدم استيعاب هذا الشاب.

المشترك في كل أشكال اللوم تلك اعتبارها أنه لو كان هناك نظام سياسي يؤمن بالاصلاح، ولو أن الحرك الشعبي الأردني الذي يعيش اليوم في سبات عميق نظّم نفسه، ولو أن الأحزاب السياسية طرحت برامج تستجيب لتطلعات الشباب، لما هرب غبن إلى سوريا.

"هم كسبوه ونحن خسرناه" يقول لرصيف22 الناشط في الحراك الشعبي الأردني، معاوية باجس، أحد المقربين سابقاً من غبن. في رأيه، نجحت جبهة النصرة في الاستجابة لبحث غبن عن فكر سياسي يلجأ إليه وهذا ما فشلت فيه الأحزاب السياسية الأردنية. يضيف باجس: "لو كانت الأحزاب في الأردن تعمل بحرية، ولو كانت أكثر وعياً لاحتضنت جهاد غبن. حتى الحراكات الشعبية غير المؤطرة والتي كانت قبل هروب غبن في أوجها لم تستطع منعه من فقدان الأمل في الإصلاح في الأردن خصوصاً أنه أُحبط بعد اتباع النظام سياسة القمع بحق الناشطين السياسيين".

اللوم يشمل الجميع في مقتل غبن، في رأي باجس. فـ"الدولة لا تحمي شبابها لا في الداخل ولا في الخارج وهي ساهمت بقتل غبن ولو بطريقة غير مباشرة خاصةً أنها تساهلت مع توجّه شباب أردنيين إلى سوريا". ويسأل باجس: "ألا يستوجب ذلك تعزيزات أمنية مكثفة على الحدود الأردنية السورية؟".

من ناحية ثانية، يقول أحد أبرز الناشطين السياسيين في الحراك الشعبي الأردني وأحد المقربين جداً من جهاد غبن، إنه "شاب نشيط جداً ومتحمس والجميع يشهدون بذلك وكان يقرأ أي كتاب يراه وكان يحرص على أن يكون شخصاً مؤثراً في المجتمع وليس مجرد رقم". الشاب الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، يضيف أن جهاد لم يجد أساساً قوياً يرتكز عليه وأتى فشل هبّة تشرين في الـ2013، وهي تحرك شعبي انطلق رفضاً لسياسات رفع حكومة عبد الله النسور للأسعار، ليشكّل صدمة له.

فبعد فشل الهبة، يستكمل حديثه، "صار غبن يبحث عن خيارات والخيارات لم تكن جيدة أصلاً. فالأحزاب الأردنية لطالما فشلت في استثمار الطاقات الشبابية، والحراكات الشعبية والشبابية كانت تفتقر إلى التنظيم ولم تشكل عموداً قوياً يرتكز عليه الشباب المتحمسون مثل جهاد غبن". يحمّل هذا الناشط اللوم أيضاً للنظام الأردني ويتهمه بأنه لا يلتفت إلى الشباب، وبأن سياسة "تكسير الرؤوس" التي ينتهجها تدفع المجتمع نحو التطرف، بالأخص فئة الشباب منه.

ينفي القيادي في التيار السلفي الأردني محمد الشلبي، أبو سياف، أن يكون غبن قد انضمّ قبل توجّهه إلى سوريا إلى التيار السلفي الأردني، ويقول لرصيف22: "أغلبية الشباب الأردنيين الذين ذهبوا إلى سوريا لم يكونوا منتمين إلى التيار السلفي".

يعزو أبو سيّاف خروج شباب أردنيين إلى سوريا، إلى شدّة تأثرهم بما يشاهدونه في وسائل الإعلام ويرفض تحميل الحكومة الأردنية مسوؤلية مقتل غبن كما ينفي الادّعاءات التي تتحدث عن تقصير أمني على الحدود الأردنية السورية ويؤكد أن هناك تعزيزات أمنية مكثفة.

أما جمال غبن، والد جهاد، فيقول لرصيف22 إن اختيار ولده القتال في سوريا كان نتيجة شدة تعاطفه مع الثورة السورية، ويضيف: "برغم أنني كنت أعرف مدى تعاطفه الكبير مع الثورة السورية، لم أكن أتوقع ذهاب ابني للقتال في سوريا. فوجئت كثيراً عندما سمعت الخبر".

يرفض الوالد تحميل أحد مسوؤلية مقتل ابنه، ويؤكد أن عائلته كانت على تواصل مستمر مع غبن من خلال الرسائل عبر فيسبوك. في عيد الفطر وعيد الأضحى الماضيين هاتف غبن عائلته لمعايدتها. يروي أبو جهاد أن ابنه سخر، خلال أحد اتصالاته، من خوفهم عليه وردّد ضاحكاً: "أنا وضعي هون أحسن من وضعكم".

غادة كامل الشيخ

صحافية في جريدة الغد الأردنية، متخصصة في قضايا حقوق الإنسان، الحريات العامة، وقضايا الأسرى والمعتقلين.

التعليقات

المقال التالي