ميسي ورونالدو وجدلية الكرة الذهبية

ميسي ورونالدو وجدلية الكرة الذهبية

يستطيع كل متابع، أيًا كانت درجة ثقافته الكروية، أن يضع كل اللاعبين في الصف الثاني من أي استحقاق فردي عندما يُذكر اسما العملاقين ليونيل ميسي Messi وكريستيانو رونالدو Ronaldo.

اللاعبان اللذان سيطرا على جائزة الكرة الذهبية لأفضل لاعب في العالم بحلتها الجديدة بعد الاتفاق الذي تم بين مجلة فرانس فوتبول France Football والفيفا FIFAلدمج جائزتي الأفضل في العالم والكرة الذهبية Ballon d'Or، كانا بحكم العادة على رأس القائمة التي صدرت أمس وتضمّنت 23 لاعباً جرى ترشيحهم للظفر بالجائزة في 15 يناير المقبل. فالأول أوصل بلاده إلى نهائي المونديال، في وقت فشل بالفوز بأي لقب مع برشلونة Barcelona، والثاني حطّم أرقاماً قياسية تهديفية وقاد فريقه لتحقيق الأوروبية العاشرة، قبل أن يخرج من الباب الضيق لبطولة العالم.

وكما حدث في سنة المونديال عام 2010، أثارت اختيارات الفيفا التي أصبحت مكشوفة سلفاً في نظر معظم المتابعين، جدلاً واسعاً في ما يتعلق بحيثيات اختيار المرشحين والأسس التي تبنى عليها هذه الخيارات.

ففي عام 2010 تمكن النجم الهولندي ويسلي شنايدر Sneijder من إيصال منتخب بلاده إلى نهائي المونديال وحقق مع ناديه إنتر ميلان Inter Milan ثلاثية تاريخية، لكن كل ذلك لم يضمن له الوصول إلى القائمة الأخيرة لجائزة الأفضل في العالم، والتي ضمّت وقتذاك كلاً من ميسي واكزافي Xavi وانيستا Iniesta، والمثير للجدل أن من توّج بها لم يكن الإسبانيان المتوجان بكأس العالم، بل النجم الأوحد ميسي، مع غياب فورلان Forlan المتوج بجائزة الأفضل في المونديال.

وبناء على هذا القياس، يرى كثير من المحللين والمتابعين أن الجائزة ستكون من نصيب رونالدو، لكون المواجهة الثنائية مع ميسي حسمت لمصلحته، سواء على صعيد الألقاب أو صعيد الأهداف.

غياب المنطق والتخبط في أساليب التقييم خلال سنوات المونديال، لم يكن جديداً على الاتحاد الدولي لكرة القدم. ففي عام 2002 منح البرازيلي رونالدو (لاعب الانتر حينذاك) لقب الأفضل في العالم على الرغم من فوز أوليفر كان Kahn بلقب الأفضل في بطولة كأس العالم، وريال مدريد بلقب دوري الأبطال، وفي عام 2006 فاز كانافارو Cannavaro بلقب الأفضل في العالم على الرغم من تتويج زيدان Zidane بلقب الأفضل في المونديال الألماني.

وتزيد هذه التفاصيل من الغموض الذي يكتنف اسم الفائز بجائزة الأفضل في العالم هذا العام "نظرياً"، إذ إن المتوج بالكأس العالمية هو المنتخب الألماني، والفائز بلقب الأفضل في البطولة هو ميسي، والفائز بدوري الأبطال وصاحب العدد الأكبر من الأهداف هو رونالدو.

تختلف المعايير التي يعتمد فيها المصوّتون على اختيار "الأفضل". فمنهم من يفضّل منح المهارات الفردية العدد الأكبر من النقاط، ومنهم من يفضّل الأداء الجماعي، وآخر يعتبر البطولات الجماعية هي المقياس الأبرز لنجاح اللاعب وأحقيّته بحمل الكرة الذهبية.

لدى أخذ هذه المقاييس في الاعتبار، نجد أن القائمة التي ضمت 23 لاعباً يمكن تقليصها لـ8 هم: ميسي، رونالدو، مولر Muller، دي ماريا Di Maria، لام Lahm، شفاينشتايغر Schweinsteiger، نوير Neuer وروبن Robben.

ومع الابتعاد عن جدلية "ميسي- رونالدو"، فإن بقية الأسماء تستحقّ، وفق المعايير المنطقية التي تسجل حضورها على الورق بعيداً عن الواقع، الفوز بجائزة الأفضل في العالم.

فتوماس مولر ابن الخامسة والعشرين، تمكن من حفر اسمه في قائمة أبرز هدافي المونديال التاريخيين (المرتبة الثامنة تاريخياً) فسجّل خمسة أهداف أضافها للخماسية التي سجلها في بطولة 2010، وكان ذلك من أبرز العوامل التي أوصلت المانشافت إلى منصات الذهب، إلى جانب مستواه الثابت الذي حقق من خلاله مع الفريق البافاري لقب الدوري والكأس ووصل إلى مربع الأبطال الذهبي.

وعلى خطى مولر، فإن فيليب لام أقصر قادة البايرن وألمانيا عبر التاريخ، قدم هو الآخر مستويات مبهرة في مركزين هما الأصعب في العرف التكتيكي لكرة القدم، واستطاع اللاعب الذي لم يغب عن أي تشكيلة نجوم رسمية للبطولات الكبرى منذ بداية مشواره، أن يقود الألمان إلى اللقب الأغلى، وهي مميزات وإنجازات تنطبق على خليفته ورفيق دربه المحارب شفاينشتايغر، الذي بذل دماءه في المباراة النهائية قبل أن تنهمر دموعه فرحاً بالكأس الذهبية.

أما مانويل نوير، فقد قدم هذا العملاق الأشقر مفهوماً جديداً لحراسة المرمى، ولم يقتنع بوجوب الوقوف بين الخشبات الثلاث، بل تحول في كأس العالم إلى مدافع مميز، بل إلى لاعب خطّ وسط في بعض مباريات البوندسليغا. لذلك فإن فوزه بلقب الأفضل في العالم لن يكون مفاجئاً إن حصل، شأنه شأن فوز سلفه أوليفر كان بلقب الأفضل في مونديال 2002.

وفي ما يتعلق بدي ماريا وروبن، فقد قدم كلاهما مستويات غير مسبوقة أوصل بها الأول فريقه إلى بطولة دوري الأبطال، ومنتخب بلاده إلى المباراة النهائية، وسجل فيها الثاني اسمه كأسرع لاعب في العالم، إلى جانب فوزه بالبطولات المحلية مع فريقه وببرونزية المونديال مع منتخب بلاده.

بالعودة إلى نجمَي حفلات الفيفا في السنوات الست الأخيرة، نجد أن تصريحات الكبيرين "بلاتر Blatter– بلاتيني Platini"، ساهمت بزيادة حدة الجدل القائم حول الأسس التي يتم من خلالها منح جائزة الأفضل في العالم، فيما ذهب آخرون للتعليق على هذه التصريحات بالقول إنها تمهيد لفوز مرشح على حساب آخر، وسخر طرف ثالث من كون هذه التصريحات تسويقية تهدف لزيادة التشويق.

رئيس الفيفا جوزيف بلاتر قال في أحدث تصريحاته: "فوجئت عندما تسلمت قرار اللجنة (فوز ميسي بلقب الأفضل). قالوا لي إنهم بحثوا منح الجائزة لعشرة لاعبين كانوا مشاركين في المباراة النهائية"، مؤكداً أن نوير كان الأحق بالفوز بها.

ميشيل بلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي، كان سبق بلاتر لتصريح أقوى قال فيه إن الكرة الذهبية لأفضل لاعب في العالم يجب أن تذهب إلى لاعب متوج بكأس العالم وليس لميسي أو كريستيانو، وأكد بلاتيني أن "الأمر كان كذلك منذ القِدم حتى 2010 عندما فاز بها ميسي رغم أنه قدم مونديالاً سيئاً، لذلك لا شيء مؤكد أيضاً هذه السنة".

لا يوجد متابع كروي في العالم يملك أدنى درجات الحيادية، يستطيع أن يتغاضى عن ترشيح ميسي ورونالدو لأي جائزة فردية منذ انفرادهما بساحة التنافس قبل ست سنوات حتى الآن، لكن تحوّل اللاعبين إلى أيقونات تجارية وتسويقية، إلى جانب إزدواجية المعايير المتبعة في التقييم، والمغالطات التي تشوب هذه المعايير بين سنة وأخرى، جعل من تلك الجوائز ساحة حرب بين شركتين عملاقتين تفرضان سيطرتهما على عالم كرة القدم، وهما أديداس Adidas الألمانية (ميسي)، ونايكي Nike الأمريكية (رونالدو).

على الورق، وبحسب الصحافيين والمحللين والمتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، يبدو أن رونالدو في طريقه لإضافة كرة ذهبية ثانية على التوالي وثالثة في تاريخه، إلا أن تاريخ هذه الجائزة يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام حدوث مفاجأة.

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

التعليقات

المقال التالي