من يوحنا بولس الثاني إلى البابا فرنسيس: "الله لا يمتلك عصا سحرية"

من يوحنا بولس الثاني إلى البابا فرنسيس: "الله لا يمتلك عصا سحرية"

تحدثت معظم الوسائل الإعلامية عن تصريحات البابا فرنسيس الأخيرة التي اعتبر فيها أن نظرية تطوّر الكائنات الحيّة ونظرية الانفجار الكوني الكبير Big Bang لا تتناقضان مع التعاليم الكنيسة الكاثوليكية. أكثرية العناوين أظهرت دهشة ناقلي أقوال البابا. ولكن ما قاله البابا ليس جديداً.

أمس، قال البابا، أثناء اجتماع للأكاديمية البابوية للعلوم، وهي هيئة مستقلة مقرها الفاتيكان ويشارك الكرسي الرسولي في تمويلها: "عندما نقرأ عن الخلق في سفر التكوين، نتعرض لخطر تخيل أن الله كان ساحراً، مع عصا سحرية قادرة على أن تفعل كل شيء. ولكن الأمر ليس كذلك. الله هو الذي خلق البشر وسمح لهم بالتطور وفقاً للقوانين الداخلية التي أعطاها لكل منهم".

بعض الوسائل الإعلامية التي احتفت بأقوال البابا، ولإضافة المزيد من الغموض والتشويق، تجاهلت قوله إن "التطور يستلزم خلق الكائنات التي تتطور" وإن "الانفجار الكبير الذي يعتبر اليوم أصل نشأة العالم لا يتناقض مع التدخل الابداعي لله".

ليست تصريحات البابا جديدة. تعمل الكنيسة الكاثوليكية، منذ وقت طويل، على تغيير صورتها وعلى التوفيق بين الدين والعلم. تريد الابتعاد عن صورتها التاريخية كعدو للعلم، وهي صورة اكتسبتها من ممارسات قديمة كثيرة أبرزها إدانتها للعالم غاليليو Galileo حين قال إن الأرض تدور حول الشمس مخالفاً بذلك حرفية الكلام الوارد في الكتاب المقدس.

تاريخ انفتاح الكنيسة الكاثوليكية على العلم قديم. عام 1950، تحدث البابا بيوس الثاني عشر Pius XII، بحذر شديد، عن عدم تعارض نظرية التطور مع الإيمان الكاثوليكي. وكان أول بابا يلمّح إلى ذلك.

وفي العام 1996، بنى البابا يوحنّا بولس الثاني على موقف سلفه ولكنه استطاع أن يعبّر عن هذا الرأي بشكل واضح ومباشر. ففي بيان رسمي أرسله إلى الأكاديمية البابوية للعلوم Pontifical Academy of Sciences، قال إن "المعرفة الجديدة تقودنا إلى الاعتراف بنظرية التطور على أنها أكثر من مجرد فرضية". كما دعا في البيان نفسه رجال الدين المسيحيين إلى ضرورة الاطلاع على آخر الأبحاث العلمية، مضيفاً: "بهدف رسم الحدود لحقولهم الصحيحة، على رجال الدين والعاملين على تفسير الكتاب المقدّس معرفة أحدث نتائج الأبحاث العلمية بشكل جيد".

وتابع البابا يوحنا بولس الثاني: "تقدير الطرق المختلفة المستخدمة في مختلف المجالات الدراسية يسمح لنا بجمع وجهتي نظر بعدما بدا لنا أنه لا يمكن التوفيق بينهما. علوم الملاحظة تصف وتقيس بدقة أكبر من أي وقت مضى، العديد من مظاهر الحياة، وتكتبها على طول خط الزمن. لا يساعدنا هذا على العبور إلى العالم الروحي. ولكننا، مع ذلك، نستشف، من خلال البحوث التجريبية، سلسلة من العلامات المهمّة جداً عما هي حياة الإنسان على وجه التحديد... هذا بينما يسعى اللاهوت إلى توضيح المعنى المطلق لتصاميم الخالق".

خليفة البابا البولندي، البابا بنديكتوس السادس Benedict XVI عشر الذي اختير بابا للفاتيكان عام 2005، كان أكثر تحفظاً من سلفه، فهو معروف بأنه كان رجل دين محافظ. حين كان لا يزال يتولى منصب محافظ المجمع المقدس لشؤون العقيدة والإيمان Sacred Congregation of the Doctrine of the Faith، في أواسط الثمانينات، دافعبنديكتوس السادس عشر عن نظرية الخلق كما وردت في الكتاب المقدس، وهاجم الكرادلة الذين دعوا إلى تبني نظرية داروين والاكتفاء بها بديلاً عن نظرية الخلق الدينية. وقال البابا الذي كان ما زال يعرف باسمه الأصلي جوزيف رايتزنغر Joseph Ratzinger  إن "البشر ليسوا من صناعة الصدفة والخطأ" و"الكون ليس من صناعة الظلام واللامعقول. بل هو يأتي من الذكاء، والحرية، والجمال المتطابق مع الحب".

ومع اختياره بابا للفاتيكان، تبنّى بنديكتوس السادس عشر نظرية التصميم الذكي Intelligent Design التي توجب عدم الاكتفاء بنظرية التطور وتفسير بعض ميزات الكون المعقدة بأنها من إبداع الله. موقف البابا المحافظ شرحه، في مقال كتبه الكاردينال كريستوف شونبورن Christoph Schoenborn المقرّب منه.

قال شونبورن إن موقف البابا يوحنّا بولس الثاني "غير واضح وغير مهم"، وأضاف أن التطور بمعنى أن البشر ينحدرون من أصل مشترك قد يكون صحيحاً. ولكنه هاجم النيوـ داروينية التي تعتبر أن التطوّر ليس سوى عملية من التباين العشوائي والانتقاء الطبيعي غير المخطط لها وغير الموجهة.

وبهذا اختار الكاردينال لتسويق فكر البابا بنديكتوس طريق الحديث عن بعض الآراء المنتشرة في أوساط بعض العلماء. وعلى الرغم من أن البابا السابق كان محافظاً فلم يَعُد بالكنيسة إلى مرحلة الصدام بين العلم والدين.

ما قام به البابا الحالي ليس سوى عودة في موقف الكنيسة إلى ما كانت عليه في عهد يوحنّا بولس الثاني. وبذلك فالكنيسة اليوم تؤمن بشكل رسمي بأن الله خلق الكون من خلال عملية التطور، أي أنها لا ترى تعارضاً بين وجود الله وتبني نظرية التطور، بل ترى في النظرية تفسيراً للخلق، وفي التطور أداة للخالق.

متابعو مواقف الكنيسة الكاثوليكية في العقود الأخيرة لم يستغربوا تصريحات البابا فرنسيس، إذ رأوا فيها حلقة جديدة من سلسلة مواقف تهدف إلى الانفتاح على العلم ومسح صورة عداء الكنيسة له.

التعليقات

المقال التالي