تيمور ملك موسكو

تيمور ملك موسكو

كنا مجموعة من الأصدقاء السوريين والروس في ليلة من ليالي شتاء 1992 في موسكو نعتزم الدخول إلى مطعم لنتناول العشاء ونستمتع بالموسيقا الحية، إلا أن موظفة الاستقبال اعتذرت منا لعدم وجود أماكن شاغرة. قالت لي نارين، صديقة كردية سورية تدرس هناك وتعرف بخفايا موسكو أكثر مني أنا الهائم على وجهي في روسيا دون سبب يذكر، أن أقول لموظفة الاستقبال إننا من طرف تيمور. لم أخيبها، وقلت للموظفة بلغة روسية ركيكة إننا من طرف تيمور. ما إن ذكرتُ اسم تيمور حتى هبت الموظفة من سباتها وانطلقت لتقودنا إلى طاولة مميزة في المطعم الذي كان خاوياً تماماً. جلسنا وسط ترحيب ضخم من الكَراسين... ولمَ لا، قالت لي نارين، تيمور هو ملك هذا الشارع في موسكو، هو زعيم المافيا التي تسيطر على الشارع، وهو من أكراد الاتحاد السوفييتي السابق.

جاء كبير الكَراسين ورحب بنا وبدأ يتلقى أوامرنا بوجه بشوش وحوله عماله المتأهبون للتنفيذ، وما إن مرت نصف ساعة حتى كان الساهرون قد ملأوا المكان، ولم يتبق سوى طاولة واحدة شاغرة في مكان مميز في الطرف المقابل لنا، بدأت الفرقة الموسيقية بالعزف والغناء، قال لنا كبير الكراسين إن هذه الفرقة من كازاخستان، فسررنا بمعلوماته ورفعنا نخبه، وطرقنا كؤوس الفودكا ببعضها البعض حتى بدا على وجوهنا الانتشاء، وصرنا نتراقص ملوحين بأيدينا دون أن ننهض من على كراسينا، كما بدأنا نفرقش بأصابعنا منطربين.

في عز انطرابنا دخل جمعٌ من ساهرين جدد، لكنهم لم يكونوا من الساهرين العاديين على ما يبدو، إذ أن كبير الكَراسين كان قد زُرِع عندهم حال وصولهم وخلفه عماله في حالة استنفار وتهيب في حضرة الوفد القادم. ركض الكراسين إلى الطاولة الشاغرة، بينما الوفد يتقدم باتجاهها، كانوا رجالاً ونساءً يتقدمهم شخص ذو شاربين كثيفين بملامح شرقية حادة، وفي منتصف طريقهم إلى الطاولة التفتَ الرجل صاحب الملامح الحادة إلينا متابعاً بنظره إصبع كبير الكراسين وهي تشير إلينا فأصبنا بهلع جماعي خفيف، وتابع الوفد المسيرة إلى أن بدأوا بالجلوس، وتابعنا شرب الفودكا والانطراب حتى وصل كبير الكراسين إلينا وأشار إلى الطاولة التي جلس إليها الوفد الذي قدم لتوه وقال: ها هو السيد تيمور الذي قلتم بأنكم من طرفه، وجمدنا جميعاً، زعيم المافيا في هذا الشارع هنا! يا فرحتي يا فرحتي!

تابع كبير الكراسين: السيد تيمور يريد الشخص الذي قال إنه يعرفه، وهنا أشار أصدقائي بأصابعهم إلي بحركة عفوية موحدة. ابتسم كبير الكراسين لي وأشار إلي أن أتبعه، وتبعته مذهولاً بعد أن رفض الجميع مرافقتي بمن فيهم نارين صاحبة الفكرة! توسلتُ إليها أن ترافقني كي تترجم على الأقل، لكنها كانت خائفة وقالت لي بأنه يعرف التحدث باللغة الكردية. مضيتُ خلف كبير الكَراسين باتجاه طاولة كبير المجرمين، وصلنا فألقيت التحية على تيمور ومددتُ يدي مصافحاً فمد يده لكنه لم ينهض.

المجرمون لا ينهضون لأحد، قلتُ لنفسي، حييتُ بقية الجالسين بابتسامة كلها حب ولطف عساهم يتعاطفون معي إذا ما تعقَّد وضعي، ورنّ صوت تيمور في أذني باللغة الروسية، فعاجلته باللغة الكردية: "تو كورمانجي زاني"؟ أي هل تعرف الكردية؟ فأجاب بالكردية. عرَّفته عن نفسي وقلتُ له بأنني من أكراد سوريا وأنني في زيارة لروسيا، فهزّ برأسه وسألني إذا ما كان صحيحاً أنني قلتُ لموظفة الاستقبال أنني من طرفه، فأجبته بنعم، فاستغرب وقال: لكنني لا أعرفك! فقلتُ: نحن نعرفك. قال لي: من أنتم؟! قلتُ: أكراد سوريا، كلنا نعرفك، وكل شخص يأتي إلى موسكو يوصيه الكبار أن يتواصلوا مع تيمور كي يساعدهم ويحل مشاكلهم.

هنا بدأ تيمور بترجمة كلامي وما دار بيننا من حديث إلى أصدقائه فهزوا برؤوسهم مستحسنين، وفي أثناء حديثنا انتهت وصلة الفرقة الموسيقية الأولى، وساد هدوء مرعب بالنسبة إلي. نظر تيمور إلي وقال بأنه لم يسبق أن جاءه شخص من سوريا من قبل طالباً مساعدته، فقلت بأنهم يخافون منه، لذلك فهم لا يتجرأون حتى على مجرد محاولة مقابلته كما فعلتُ أنا الآن، وقبل أن أنهي جملتي لاحظتُ أن هناك رجلين مسلحين على الأقل من بين الحضور فتخربطتُ يا شباب… عاجلني تيمور بسؤال: ماذا تعمل؟ أجبته: شاعر. قال: هل تجيد الغناء؟ فأجبته بموال كردي وأنا واقف فانفرجت أساريره وطلب كرسياً لي بجانبه.

شحط كبير الكراسين كرسياً فسقطتُ عليه غير مصدق رضا تيمور عني. طلب مني تيمور متابعة الغناء، فسلخته موالاً كردياً من اللي بيبكوا الحجر... سالت دموع تيمور على خديه غير الورديين، وتابعتُ بصوت أكثر انفتاحاً، بينما أجهش كبير المجرمين بالبكاء الشديد، ثم وقف وطلب مني أن ألحقه إلى البيست، فهرع الموسيقيون كلّ إلى آلته حالما رأوه يتقدم نحوهم، ناولني المكريفون وطلب من الفرقة أن تلاحقني بالعزف. بدأت بموال وانطلقتُ في وصلة كردية راقصة صاخبة، ورقص تيمور، بينما كان كبير الكراسين يناوله ويناولني أقداح الفودكا بين الفينة والأخرى لنشربها بصحة بعضنا البعض. نووووش تيمور، أقولها رافعاً الكلفة، أي صحة بالعربية، نوووش لوكمان، يقولها سعيداً وراضياً من أدائي…

رحتُ في غيبوبة الفودكا، فقال لي أصدقائي في الصباح إن تيمور أعطاك كرته كي تتصل به في الغد، وإنني راقصتُ كل الفتيات بعد أن سلمت المكريفون للمطرب الكازاخي، وإنني كنت أتحدث بالفرنسية حصراً مع الجميع وبالكردية مع تيمور، وإن تيمور أمر العمال أن يوقفوا لنا سيارة تكسي حال خروجنا، وإنهم أوقفوا سيارة إسعاف فصعدنا بها وعدنا إلى البيت بعد أن حاسب الكرسون السائق، ففي روسيا تلك الأيام كل السيارات تعمل كسيارة تكسي بما فيها السيارات الخاصة وسيارات الشرطة وسيارات الإسعاف وشاحنات الزيل العسكرية. ولم أتصل في اليوم التالي بتيمور، ولا في أي يوم تلاه.

التعليقات

المقال التالي