الإعلام، الفلسفة وكرة القدم

الإعلام، الفلسفة وكرة القدم

من يتابع أخبار كرة القدم لا يرى في مضمونها أيّ اختلاف عن الأخبار السياسية، سوى أن الأولى لا تتضمن حوادث قتل ودمار. تستند أخبار كرة القدم وأخبار السياسة إلى العناصر والأبعاد نفسها. كل منها تتناوله مقالات تحليلية، منها القلقة ومنها المطمئنة، ومنها الناقدة لإستراتيجيات متبعة أو مواقف متخذة من أبرز الشخصيات في المجالين.

صعود كرة القدم في سُلّم الاهتمامات العامة كان له تأثير كبير على أسلوب نقل الوسائل الإعلامية لأخبار "رياضة الفقراء"، واللعبة الأكثر شعبية في العالم. جمهور هذه الرياضة راح يتابع أخبارها وكأنه أمام مسلسل واقعي. يصوّر هذا المسلسل مدربيها فلاسفةً أو قادةَ حروب في الملاعب، ولاعبيها النجوم جيشاً يتحرّك حسب تعليمات مديرهم الفني. ترافق المبارياتِ تحليلاتٌ عميقة ومفرطة في الجدية وطويلة ترِد على لسان لاعبين ومدربين سابقين يمكن تشبيههم بالمحللين السياسيين أو بخبراء الحرب.

تحول الاهتمام بأعمال المديرين الفنيين إلى هوس في التغطية الإعلامية. بات الإعلام يحلل كل كلمة يطلقها المدرب قبل المباريات، ويجد فيها ألعاباً تهدف لضرب معنويات الخصم. يكفي متابعة أسلوب تغطية الإعلام للمواقف المثيرة للجدل، التي يطلقها المدير الفني لنادي تشيلسي Chelsea الإنكليزي جوزيه مورينيو Jose Mourinho لمعرفة الدور البارز الذي بات يلعبه المدير الفني في كرة القدم في السنوات السابقة. يستعدّ الإعلام دائماً لالتقاط أي جملة يتفوّه بها قد تُظهر ألعاباً ذهنية يمارسها ضد خصومه لضرب معنوياتهم أو لتجييش لاعبيه. والسبب هو أن تصريحات مورينيو قبل المباريات تضيف نكهة إلى المواجهات، أو قليل من الـ"دراما" على حدّ تعبير بعض المعجبين بالمدرب في الإعلام الإنكليزي. يضع ذلك مورينيو في مواجهة مدير فني آخر محبوب هو أرسين فينغر Arsene Wenger، المدير الفني لأرسنال Arsenal الإنكليزي. هكذا تخلق العداوة، وكأننا أمام صراع بين قوى الخير وقوى الشر، لتتكوّن إثر ذلك حبكة يستفيد منها الإعلام لتسويق مقالاته، وتستفيد منها كرة القدم لتسويق اللعبة. عندمالقب مورينيو زميله الفرنسي بالـ"متخصص بالفشل"، تكاثرت المقالات المعلقة على ذلك، واختلف الكتّاب والمحللون، منقسمين بين مدافع عن فينغر ومؤيد  لمورينيو.

كذلك يحلو للمحللين اليوم تفسير كل حركة يقوم بها اللاعبون على أرض الملعب، بأنها مخطط لها من المدير الفني، وهو ما ينفيه المدربون أنفسهم. يصوّر الإعلام المدربين كفلاسفة. يكفي للتأكد من ذلك التمعّن بكيفية الحديث عن مدرب بايرن ميونخ Bayern Munich الحالي بيب غوارديولا Pep Guardiola، الملقب بالفيلسوف. يرى المحللون أنه مبتكر إستراتيجية التيكي-تاكا Tiki-Taka الشهيرة أثناء تدريبه برشلونة Barcelona، وهي تعتمد على تمرير الكرة بين اللاعبين بهدف تفريغ مناطق في دفاع الخصم والاستفادة من أخطاء التمركز لخلق هجمات تغدر المنافس. في أواخر الموسم المنصرم، وبعد فشله في الفوز في دوري أبطال أوروبا مع بايرن ميونخ، واجه غوارديولا انتقاداً لاذعاً من بعض المحللين الذين وجدوا في إستراتيجيته فلسفة "قديمة"، معلنين موتها وطالبين منه تَغييرها لتتماشى مع أسلوب لعب الفريق الألماني تحت قيادة سلفه يوب هينكس Yupp Heynckes.

الدراما المرغوب خلقها في عالم كرة القدم لا تتوقّف على ذلك. الأخبار الشخصية كفيلة دوماً بأن توجّه الأنظار كلها إلى الشخص المعني بها، مما يضيف بعض الدراما إلى المباريات المقبلة، ويطرح علامات استفهام حول مسائل كثيرة على مدى أيام وأشهر في مقالات ومقابلات تملأ الإعلام. هذا ما حصل عندما انتشر خبر خيانة زوجة المدافع الإنكليزي وين بريدج Wayne Bridge له مع زميله في فريق تشيلسي آنذاك جون تيري John Terry.

أخذت هذه القصة حيّزاً كبيراً من اهتمام الإعلام الإنكليزي قبل مواجهة اللاعبين، بعدما انتقل بريدج إلى مانشستر سيتي Manchester City، في الدوري الممتاز Premier League. كان السؤال الذي شغل بال الإعلام هل سيصافح بريدجُ تيري، وهو ما لم يفعله، مكتفياً بتجاهل يد تيري الممدودة له. طرح الإعلام أيضاً سؤال هل كان يجدر بتيري، الذي خان صديقه وزميله في المنتخب الإنكليزي، أن يبقى حاملاً شارة الكابتن مع المنتخب، لا سيما أن الحادثة تزامنت مع إدعاء المدافع أنتون فيردناند Anton Ferdinand على تيري بتوجيهه كلاماً عنصرياً له. انتهى الأمر بقرار ثنائي اتخذه المدير الفني للمنتخب آنذاك فابيو كابيلو Fabio Capello والاتحاد الإنكليزي لكرة القدم بتسليم شارة الكابتن إلى شقيق فرديناند، ريو فيردناند Rio Ferdinand. يذكر أن الجلسة كانت متابعة من الإعلام بشكل مفصل ودقيق، وقد حولها إلى قضية رأي عام في إنكلترا، كما هو حال إدمان اللاعب المعتزل بول غاسكوين Paul Gascoigne الكحول أو "مشاغبات" ماريو بالوتيلي Mario Balotelli.

ليس مستغرباً أن تجد كل هذا الاهتمام بكرة القدم. فهي لم تعد الرياضة الشعبية التي ترفه عن الموظفين في عطلة نهاية الأسبوع. لاعبوها يتقاضون رواتب خيالية، والشركات العالمية تدفع مئات ملايين الدولارات كي تسوق لنفسها من خلال النوادي العالمية الكبرى، والأثرياء الكبار من روسيين وعرب وأمريكيين يستثمرون بها في مشاريع طويلة الأمد. يكفي معرفة أن نوادي كرة القدم الأوروبية أنفقت حوالى ثلاثة مليارات دولار في سوق انتقال اللاعبين العام الماضي لإدراك "ثقل" كرة القدم وأهميتها على النطاق الإعلامي.

التعليقات

المقال التالي