لِم لا يلتحق السُّودانيون بجيشهم؟

لِم لا يلتحق السُّودانيون بجيشهم؟

في حوار أجراه صحافي سوداني مع الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، الصورامي خالد سعد، طلب الأخير إقفال جهاز التسجيل ليدلي ببعض المعلومات غير الرسمية. راح العقيد يشكو للصحافي حال الجيش المتردّية. أخبره بحقائق تناقض تماماً ما  تضمّنه الحوار المنشور. ومما قاله: "إن المبلغ الذي يتقاضاه الجندي السوداني كراتب شهري (800 جنيه أي أقل من 100 دولار) يبدده ابن مسؤول يافع في وجبة غداء مع صديقاته في أحد مطاعم الخرطوم".

يخصص السودان 85% من ميزانيته لقطاعيّ الأمن والدفاع. رغم ذلك، تأخرت كثيراً مصادقة البرلمان على قانون زيادة رواتب المنتسبين إلى القوات المسلحة في مناطق العمليات ولم يتم ذلك إلا بعد نداءات متكرّرة. وعندما أقرّت الزيادة صار راتب الجندي يبدأ بألفيْ جنيه سوداني (حوالي 220 دولاراً) ثم يزداد مع زيادة الرتبة العسكرية.

الجيش مهنة غير رابحة

يبث الجيش السوداني نداءات متكررة تدعو الشباب إلى الانتساب إليه وذلك من داخل خيم منصوبة في قلب أسواق الخرطوم. ولكن الشباب يحجمون. عامل المال هو من أبرز الأسباب التي تبعد السودانيين عن جيشهم لا سيّما حين يتعلق الأمر بالانخراط في سلك الجندية (الرتب الأقل شأناً).

رواتب الجنود السودانيين الذين يخاطرون بحياتهم في سبيل الوطن لا تكفي لتأمين الحياة الكريمة لهم ولأسرهم. تقول إحصاءات غير رسمية إن عدداً كبيراً من "بائعات الشاي" في الخرطوم هنّ من زوجات أو شقيقات مقاتلين في صفوف الجيش، دفعتهن الحاجة والرواتب الزهيدة التي يتقاضاها معيلوهنّ إلى ممارسة هذه المهنة. فالسوداني يعاني بشدّة من تصاعد دراماتيكي لأسعار السلع خاصة منذ انفصال الجنوب وخروجه مع موارد نفطية ضخمة من الوحدة السابقة.

من ناحية ثانية، لا بد من الإشارة إلى الفروق الكبيرة بين رواتب الجنود في ساحة المعركة وبين رواتب قادتهم. يحصل القادة عادةً على رواتب كبيرة وامتيازات وعلاوات ضخمة. وهذا ما يخلق فروقاً كبيرة بين الجندي والقائد ويبعد الجنود عن مؤسسة الجيش. يفضّل الشباب السودانيون العمل الخاص ولو على أساس مقولة "رزق اليوم باليوم" ويختارون مهناً هامشية ثبت، للمفارقة، أن عائداتها أفضل مما يناله الجندي المتكئ على بندقيته في أرض المعركة.

امتيازات الأمن

لا يتوانى عدد من السودانيين الرافضين للانضمام إلى الجيش عن الالتحاق بالأجهزة الأمنية الباطشة، طمعاً بالحظوة والرواتب العالية. فقد درجت العادة على أن تقوم الحكومة بالانفاق على الأجهزة الأمنية أكثر من إنفاقها على الجيش. بالنسبة إلى السلطة، الأولوية هي ما يضمن ديمومة نظام المؤتمر الوطني الحاكم منذ 25 عاماً. ولأنها وصلت إلى الحكم من خلال انقلاب عسكري، لا تثق بالجيش وتخشى دائماً من أن يقوم باسقاط الحكومة، على الرغم من عمليات الفصل، التي لم تزل تشمل ضباط القوات المسلحة.

وللتدليل على أهمية جهاز الأمن لدى الحكومة، يكفي الانتباه إلى أنه هو الذي قام، خلال ربع قرن، بقمع الاحتجاجات الشعبية، والتنكيل بالنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، وسعى إلى شق صفوف القوى المعارضة. كذلك، تمدد الأمن في المساحة الخاصة بالجيش وذلك عبر تكوينه ميليشيا مسلحة سيئة الصيت تسمّى "الدعم السريع"، وهي قوة لا يتواني أفرادها عن ارتكاب الانتهاكات، مثل حرق ونهب ممتلكات المواطنين، وذلك في ظل منظومة حماية قانونية قد تعرّض منتقديها لإجراءات قانونية تصل عقوبتها إلى الإعدام.

لامهنية الجيش

ومما يدفع بالسودانيين بعيداً عن جيشهم هو تشكيكهم في مهنية الجيش. فالقوى السياسية المعارضة لا تتوانى عن اتهام نظام الخرطوم بالعمل على "أدلجة" الجيش، واستبعاد العناصر التي لا تنتمي إلى التيار الإسلامي من صفوفه، حتى بات أمراً مألوفاً أن ترى ضباطاً بلحى طويلة في صفوف الجيش، بعكس ما كان يحدث في فترات سابقة. تستخدم السلطة الجيش لأداء مهمات حزبية ضيقة تصب في مصلحة سيطرة حزب المؤتمر الوطني، الأمر الذي قاد في نهاية المطاف إلى استدعاء الرئيس السوداني للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

ويرى كثيرون، وبينهم عسكريون، في تولّي الفريق أول مهندس، عبد الرحيم محمد حسين، المقرب من الرئيس السوداني عمر البشير، منصب وزير الدفاع، سبباً اضافياً لعزوف الشباب عن الالتحاق بالجيش. فحسين، وبعد اخفاقاته الكثيرة خلال تقلده منصب وزير الداخلية، تمت مكافأته بتسلّم هذا المنصب الرفيع.

ومما يزيد الطين بلة، أن حسين يكاد لا يتحدّث بدون أن يتضمّن كلامه سذاجات حوّلته إلى شخصية يتندر عليها العامة. فيديوهاته على يوتيوب تحصد ملايين الزيارات. ولعلّ أشهر ما قاله كان ورد في سياق رده على قصف الطيران الإسرائيلي لأهداف سودانية حين اشتكى من كون الطائرات الاسرائيلية المهاجمة وصلت إلى البلاد ليلاً من دون أن تكون مصابيحها مضاءة. وحين سئل عن الإستراتجيات المستخدمة للحيلولة دون تكرار الهجوم، لم يتوانَ عن اقتراح إجراء دفاعي جديد يضاهي الرادار في فعاليته ألا وهو "الرصد بالعين البشرية المجردة" مجترحاً بنظريته هذه  إستراتيجية "الدفاع بالنظر". لذا يطلق الشارع السوداني على وزير دفاعه لقب "اللمبي".

لن أقتل أهلي

ومن أسباب عزوف الشباب السوداني عن الالتحاق بجيشهم هو السبب الذي يمكن اختصاره بعبارة واحدة: "لن أقتل أهلي". فالجيش السوداني تم إنهاكه في الحروب الأهلية، وطوال عقود ظل ينشط في جنوب السودان (دولة جنوب السودان حالياً) لقمع حركة الأنانيا التي كونت في ما بعد الجيش الشعبي لتحرير السودان. ومنذ الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين، انفتحت جبهة دارفور. واليوم، إلى جانب مقاتلة الحركات الدارفورية المسلحة، يقاتل الجيش قوات "الجبهة الثورية السودانية" التي تضمّ مجموعات من معارضي نظام البشير في جنوب كردفان والنيل الأزرق.

من الطبيعي أن يحجم أبناء تلك المناطق المأزومة عن الالتحاق بالجيش مخافة المشاركة في قتال أهلهم سواء أكانوا مدنيين عُزلاً أو مشاركين في حركات التمرد.

ملّ السودانيون ألاعيب السياسيين. خلال التسعينات من القرن الماضي، صوّر دهاقنة الحزب الحاكم الحرب الأهلية جهاداً ضد غير المسلمين، وفي سبيل تلك الغاية قدّم كثير من الشباب أرواحهم. لكن، بمجرد الطلاق السياسي بين الرئيس عمر البشير وعرّاب الحركة الاسلامية حسن الترابي في ما عرف بـ "المفاصلة"، عام 1999، سارع الترابي، طبقاً لاحاديث تناقلها مقربون منه، إلى سحب صفة "الشهادة" عن الذين قضوا في جنوب السودان. في المقابل، أبرمت حكومة البشير الإسلامية، عام 2005، اتفاق سلام مع الحركة الشعبية في الجنوب بقيادة جون قرنق ذي التوجهات العلمانية والأفريقية. وعليه لا يستبعد الشباب أن تبرم الحكومة اتفاقات سلام مماثلة يدخل بموجبها قادة الحركات المسلحة الخرطوم  ويُستوزرون، وهذا ما يدفعهم إلى التساؤل: لماذا ندفع الثمن؟

الخوف من الخدمة الإلزامية

لكل الأسباب المذكورة أعلاه، يستنكر السودانيون العمل بنظام الخدمة الإلزامية الذي أقرّ في العام 1996. يمنع القانون سفر المواطنين الذين لم يتجاوز عمرهم 40 سنة إن لم يكونوا قد أدوا الخدمة الإلزامية التي تبلغ مدّتها سنة كاملة. ويعتبر كل مؤدٍ لهذه الخدمة جندياً احتياطياً يمكن استدعاؤه في أية لحظة خلال السنوات الخمس اللاحقة على انتهائه من أداء الخدمة.

لا تستطيع الذاكرة السودانية نسيان مقتل عدد كبير من مجندي أولى دفعات الخدمة الإلزامية بعد سوقهم قسراً إلى قتال المتمردين في أحراش جنوب السودان. بسبب تلك الحادثة، باتت السلطات تتساهل، فيتم تأجيل الخدمة الإلزامية للملتحق بالجامعات ليعود ويؤديها في مجال يتصل بدراسته. ومن يجري ضمّه إلى وحدات عسكرية لا يمكن إلحاقه بصفوف المقاتلين إن لم يكن هو راغباً في ذلك.

التعليقات

المقال التالي