شغف الحلاوة

شغف الحلاوة

للحلاوة أنواع، لكن أشهرها الحلاوة الطحينية، وهي أكلة شعبية في سوريا لها مصانعها وتجارها وجمهورها الكبير في شتى أنحاء البلاد. لا شك بأن الأطفال هم من كبار ذوّاقة الحلاوة، بل وإنهم يعتبرونها الجنة بذاتها، وقمة قمم أحلامهم. لن أنسى ذلك اليوم الذي اصطحبنا فيه عمّي إلى اللاذقية من حلب.

كانت أختي الصغرى لولو صاحبة السنوات الأربع تسأل بفضول عن اللاذقية، ولماذا سنذهب إليها، وعبثاً حاول عمّي أن يفهمها ما هو البحر. لم نكن قد شاهدنا البحر بعد، ولم نكن وحدنا ممن لم يشاهدوا البحر، فصديقي الشاعر الراحل عبد اللطيف خطاب شاهد البحر الأسود في بلغاريا، قبل أن يشاهد البحر الأبيض المتوسط في بلاده، وكان نهر الفرات في الرقة هو ملهمه الشعري، وحلب منبره الشعري في ملتقانا الأدبي في الجامعة، إلا أن عطلاً في القلب أخذه وهو في أواخر العشرينات إلى بلغاريا للعلاج في مستشفيات فارنا على البحر الأسود.

أما الآن فنحن أمام السيارتين اللتين ستتجهان بنا إلى البحر منتصف السبعينات، وأختي ما زالت تسأل عمّا إذا كان من الضروري أن نذهب إلى اللاذقية قبل الصعود إلى السيارة. البحر وما أدراكِ ما البحر! حسناً، في اللاذقية يوجد حلاوة، كذلك قال عمي، فأشعّ الفرح في قلب أختي وصعدت إلى السيارة بدون تردد. حلاوة، حلاوة، ممم، تستحق الحلاوة كل هذه الرحلة، لكن هيهات أن تنتظر حتى نصل "بدي حلاوة، هلأ بدي حلاوة". تحوّل طلبها للحلاوة إلى أمر ونحن نعبر أريحا وبساتين الكرز الخلابة باتجاه جسر الشغور، "هلأ بدي حلاوة"، وصارت الحلاوة مسألة حياة أو موت، حتى السيارة الثانية التي تقل القسم الآخر منا عرفت بأزمة الحلاوة في السيارة عندنا، لن يكون هناك حلاوة حتى نصل إلى اللاذقية، وبدأ الصراخ والهجوم باتجاه الباب لرمي الذات الفانية على الطرقات فدى الحلاوة.

لم يسبقها في هذا التشبث بالرأي والمطالبة بالحلاوة سوى ابن عمتي شيار الذي طالب أمه بشراء علبة حلاوة في سوق باب الفرج بحلب، لكن أمه رفضت، فما كان منه إلّا أن استلقى وسط الطريق وبين أقدام المارّة وهو يصرخ ويبكي "حلاوة، حلاوة، حلاوة"، وما كان من أمه إلا وأن رضخت لطلبه، كاسرة على أنفها بَصَلة، وهي تشحطه شحطاً خلفها باتجاه بياع الحلاوة ليقبض على العلبة بيديه الصغيرتين ويمسح عنها القطرات الأخيرة من دموعه المطالبة بالحقّ. والحلاوة حقّ له ضحاياه الكثر، لكن أشهرهم بائع الحلاوة في دمشق الذي قضى نحبه بين أنياب ضبع وهو يقوم بواجبه النبيل في توزيع الحلاوة على الأرياف، واستطاع أبناء بائع الحلاوة القبض على الضبع المجرم، لكن يا للمفاجأة، فالأبناء لم يقتلوا الضبع، بل وضعوه في قفص وظلوا يزورونه في المناسبات والأعياد، وهم يرمون الزهور عليه، وقد اعتبروه القبر الذي يثوي فيه جسد الوالد العزيز.

يقول الباحثون إن القرويين أو "الشوايا" يعشقون الحلاوة عشق قيس لليلى، بل ويرمون الأمثال عن ذلك، كالمثل الذي يوضح شغف الشوايا بالحلاوة "شاوي ما ينام إذا في جنب راسه تنكة حلاوة". لا يمكن أن ينام الشاوي في هذه الحالة، ولقد شاهدت بأم عيني شاوياً في حلب يأكل كمية 2 كغ من البقلاوة عند حلويات "مستّت" الشهيرة على الواقف، بينما يغلف له البائع العلب التي اشتراها كي يأخذها إلى القرية معه. لا ينافس الشوايا في عشق الحلاوة سوى "الكوجر" وهم قبائل كردية تقطن أقصى شمال شرق سوريا، ويقال إنه تم افتتاح معمل حلاوة في مدينة ديريك فسرّ الكوجر بذلك كثيراً، بل إن كوجرياً امتدح إنشاء المعمل وصرَّح بفم مليء بالحلاوة "واللهِ أطيب من الحكم الذاتي"!

أتذكر نفسي أيضاً وأنا في العاشرة كيف كنتُ أتسلق إلى السقيفة وآكل قطرميزاً كاملاً من مربى المشمش أو الكرز سرّاً، لكن أنواع الحلويات وأنواع المربى شيء، والحلاوة شيء آخر، لذلك صرخت أختي لولو بعد أن وصلنا إلى القساطل "بدي حلاوة، هلأ بدي حلاوة"، لكن لا حلاوة يا لولو إلى أن نصل البحر. وصلنا إلى المنطقة الخطرة من طريق حلب ـ اللاذقية، حيث المنعرجات والأكواع والوديان السحيقة تحتنا، وبدأ الهلع يدبّ في قلوبنا عند كلّ كوع، لكننا آثرنا الصمت كي لا يقال بأننا جبناء، إلا أختي لولو فقد كانت تصرخ هذه المرة "نزلوني، ما عاد بدي حلاوة، والله العظيم ما بدي حلاوة، بس نزلوني من السيارة، ألله يخليك عمو، ألله يخليكن، عمو، نزلوني هون، ما عاد بدي حلاوة"، وكنا كذلك نقول في قلوبنا إننا لم نعد نريد البحر، نريد أن ننزل هنا، فالطريق مرعب حقاً، والوديان عميقة سحيقة، وأختي، لقاء إيقاف فيلم الرعب هذا، تخلت عن مطالبها بالحلاوة.

التعليقات

المقال التالي