العقل العربي والهروب من الهزيمة

العقل العربي والهروب من الهزيمة

قد يكون أسلوب التعامل مع الهزيمة في العقل العربي هو أوضح وأعمق تعبير عنها، بل هو هزيمة مضاعفة أشدّ وأقسى وأعمق ضرراً. نحن لا نتعلم من هزائمنا لأننا ببساطة لا نراها. العقل العربي يفضّل أن يغيّر نظارته بدل أن ينزعها تماماً لينظر إلى ما يرى. ربما يفسر هذا ما نراه من تعاقب لهزائم تتشابه في كثير من الأحيان في مسبباتها ونتائجها. ولأن التغيير عملية شاقة تستدعي إعادة النظر بالمسلمات، وتغييراً في الأساليب والطرق التي توارثتها الأجيال، فإن الكثيرين في عالمنا العربي ممن يستهولون التغيير يعالجون الكوارث والهزائم بطرق مبتكرة تخفف من الألم ولكنها لا تلغي المسببات.

قديماً قال أحد الحكماء: "إذا كنت تبحث عن الحقيقة فجهّز حصانك". كان الحصان هو وسيلة الهروب آنذاك، وفي أيامنا هذه أصبح الفوتوشوب، ونقرة الإصبع على اللابتوب، والضغط على الريموت كونترول من وسائل الهرب التي تريح العقول وتعمّق الهزائم. من يقرأ وسائل التواصل الاجتماعي في الفترة الماضية ويرى كيف يتعامل الجمهور مع أخبار المآسي التي تمرّ بها بلادنا يلحظ نمطيات هروب محددة يستخدمها المواطن العربي ليحصن عقله من رؤية فداحة الخسارة، ويريح تفكيره من السؤال عن السبب والحلّ وبالتالي الدخول في متاهة التغيير المخيفة.

التسقيط السياسي والإعلامي

لم يعد لما يقوله محمد البرادعي، الرجل الذي أشعل شرارة التغيير في مصر، مصداقية لدى جمهور القراء في مصر وخصوصاً بين مريدي الرئيس السيسي. حتى لو كان ما يقوله صحيحاً ومدعماً بالأدلة والحقائق. فهذا الرجل غربي تارة، وهو من أشعل حرب العراق تارة أخرى، وهو واجهة للإخوان المسلمين. وهذا مثل واحد تتبعه أمثلة كثيرة من صحافيين ورجال فكر ونشطاء وسياسيين. اللون السياسي للمتكلم يجعل المتلقي يلغي أو يقبل ما يقول دون النظر للحقائق إن كانت مثبتة أو لا. الأمر نفسه ينسحب على القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام المتعددة. بعضها مبرّر لما لبعض هذه القنوات من أجندات واضحة. فلا يمكن لأي مراقب محايد أن يأخذ كلام الجزيرة عن الوضع المصري أو السوري أو العراقي على عواهنه ويفترض المهنية والحيادية. ولكن في الوقت ذاته لا يجوز أيضاً افتراض التلفيق دوماً دون تدقيق. في العراق مثلاً وصل الاستقطاب المذهبي والسياسي حد نعت قنوات عالمية مثل الـ"بي بي سي" بأنها تدعم الإرهاب وتبث أخباراً مغلوطة بهدف تقوية داعش إعلامياً. وهو ما دفع بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا إلى التظاهر أمام مقرّ هيئة الإذاعة البريطانية احتجاجاً على دعم الإرهاب.

هذا المشهد الغريب الذي لم يفرق فيه صانعوه بين تضارب الأخبار، الذي يفرضه وضع الحرب عادة وما افترضوه من تعاون مزعوم لا يستند إلى منطق أو حقيقة مؤكدة بين داعش والـ"بي بي سي"، يرينا إلى أي مدى يمكن للعقل العربي أن ينساق وراء خوفه حتى لو أدى هذا إلى مشهد من مسرح اللامعقول.

لكلٍ أخباره الخاصة

إسرائيل تدرّب قوّات المعارضة السورية وتمدّها بالسلاح لضرب جبهة الممانعة. هذا خبر قد تقرأه في صفحة موالٍ للحكومة يضعه بكل اقتناع وثقة أنه يعبر عن حقيقة، والدليل هي صورة نتنياهو وهو يتفقّد جرحى سوريين نقلوا من الجولان إلى مستشفى إسرائيلي. وبالثقة نفسها يتحدث موالون لنوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي، عناجتماع موسّع عُقد في عمان حضرته السعودية واسرائيل وتركيا إضافة لآخرين للتخطيط لإسقاط الموصل بالتعاون مع الأكراد.

وفي خضم حمم الموت التي تنهال على غزة، تعبر حماس من الأنفاق لتقتل جنوداً مصريين في العريش، هكذا دون أن نتعب أنفسنا في التفكير عن الفائدة التي جنتها حماس من عمل كهذا وفي وقت كهذا. تبحث عن المصادر لهذه الأخبار في وسائل الإعلام المعروفة عالمياً فلا تجد لها أثراً. ورغم هذا فالجواب موجود من النقطة السابقة، فتلك المصادر العالمية مشتركة في التغطية المتحيزة وتتعامى عن هذه الأخبار التي تمّ تصنيعها على صفحات التواصل الإجتماعي. وهو ما يقودنا للنقطة الثالثة وهي أمر متجذّر وأصيل في التفكير العربي.

المؤامرة

تقفز هذه الكلمة إلى العقول والأذهان وتحتل المساحة الأولى في التحليل عندما يواجه العرب أي نكسة أو هزيمة. وفي الوقت الذي نقول إن عالم السياسة لا يخلو بكل تأكيد من مؤامرات وتحالفات سرية إلا أن هذا لا يفسّر بالتأكيد كل ما يحصل في عالمنا. عندما يطغى هذا التفكير على ما عداه من استقصاء للأسباب الموضوعية لأية هزيمة نكون قد وقعنا في فخّ خداع النفس واستعمال المؤامرة وسيلة للدفاع عن عجزنا وأخطائنا. الاعتماد على التسقيط الإعلامي لوسائل إعلام لا تتبع الهوى السياسي للمتلقّي، وتصديق الأخبار التي لا سند لها يصبحان أهم دعائم بناء المؤامرة في العقول، الذي يتضخم ليسد كل منافذ التفكير الأخرى. فالبعض لا يفرق مثلاً بين الاستفادة من ظروف معينة يمرّ بها الفرقاء السياسيون وبين اشتراكهم الفعلي في خلق هذا الظرف. فالقاعدة مثلاً صنيعة إيرانية لا علاقة لها بأي قوى عربية سنية تمولها بالمال وتغذّي أفكارها التكفيرية المتطرفة. إيران هي من فجّرت المراقد الشيعية المقدسة في سامراء لإشعال الفتنة وتبرير نفوذ أكبر لها في العراق، بالضبط كما فعلت الولايات المتحدة حين فجّرت برجي التجارة العالمية لتضرب الإسلام. حين يكون هناك استعداد فطري لتقبل التبرير المؤامراتي لكل شيء لا تعود هناك حاجة ماسة لأخبار موثّقة، يكفي أن يضع أحدهم شيئاً مصنوعاً بالفوتوشوب على صفحة الفيسبوك لتنتشر كالنار في الهشيم وتصبح قناعة راسخة عند من يريدون أن يقتنعوا، إراحة للعقول والنفوس من تبعات تحمل المسؤولية. فالنظر لعيوب الآخرين أسهل دائماً من النظر في المرآة.

التجاهل

مرّ الخبر مرور الكرام. لم تبرزه وسائل الإعلام الحكومية ولم ينشغل به الشارع كثيراً. حكم المحكمة المصرية بالسماح لقيادات الحزب الوطني السابق بالترشّح كان أقلّ أهمية من الحديث عن البرامج الرمضانية وامتحانات الثانوية العامة. بعد ثلاثة أعوام من ثورة حرقت مقرّ الحزب الوطني، رمز الفساد السياسي في عهد مبارك، وألقت برموزه في السجن لم يعد مطلوباً أن نركّز على خبر عودة قادته للحياة السياسية. الكثيرون أشاحوا بوجوههم والتفتوا إلى أخبارٍ أخرى. وربما سيتكرر الأمر ذاته مع توالي صدور أحكام بالبراءة على عدد من رموز الحزب الوطني مستقبلاً.

وعلى المنوال نفسه، لم يتداول كثيرٌ من مؤيدي المالكي في العراق تقرير هيومن رايتس ووتش الأخير عن أعمال قتل عشوائية لمئتين وخمسة وخمسين سجيناً عراقياً على أساس طائفي. إذا ارتكب حليفك جريمة، الحلّ هو أن تنظر إلى الناحية الأخرى، فبعد بضعة أيام سينسى الناس ما تنشره وسائل إعلام مغرضة، ولنركز الآن على ما يفعله الأعداء. وفي كل الأحوال فنحن في حالة حرب مع الإرهاب وكل شيء جائز لحماية الشعب منهم. هذا المنطق يساند كل النقاط التي سبق ذكرها في حماية عقولنا من السؤال والمحاسبة وتقصي الأخطاء، أو لنقل ببساطة معرفة الحقيقة.

في كل ما سبق نرى عقول هذا الطرف أو ذاك تسير كالشعب الصيني أيام ماوتسي تونغ. الكل يرتدي الزي نفسه واللون نفسه... اللون الواحد فضيلة، والألوان المتعددة خيانة. وإذا مرّ عليك ما لا يتفق ورأيك فهو تدليس ومؤامرة والأجدر بك أن تنظر إلى الناحية الأخرى حيث تكمن الحقيقة. فضاء المعلومات والإنترنت مفتوح لمن يريد، ولكن يبقى الأهم هو من الذي يريد حقاً أن يعرف. وسيلة الهروب العصرية موجودة، ننقر على الزرّ فنتحول إلى ما يريحنا ويوفّر علينا مشقّة البحث والتفكير والتغيير.

تم نشر المقال على الموقع بتاريخ 31.07.2014

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي