هل يخرج برشلونة من الدوري الإسباني؟

هل يخرج برشلونة من الدوري الإسباني؟

يضع الملايين من عشاق كرة القدم أيديهم على قلوبهم بانتظار القرار المصيري الذي سيكشف عن مستقبل العلاقة بين كاتالونيا وإسبانيا، في قضية قد تصبح أكثر الأحداث السياسية تأثيراً في الرياضة على مرّ التاريخ.

لم يكن الاستفتاء الذي حصل في إسكتلندا قبل أسابيع حدثاً كبيراً خارج النطاق الأوروبي، لكون تأثيره اقتصر على النواحي السياسية والاقتصادية بدرجة أقل، لكنّ ارتباط مصير "الكلاسيكو" الذي يجمع فريقي ريال مدريد Real Madrid وبرشلونة Barcelona بنتائج الاستفتاء المرتقب، حوّل انفصال كاتالونيا إلى شأن كروي- سياسي عالمي متربط بجملة عوامل قد تؤثر في النتائج النهائية.

قضية انفصال كاتالونيا عن إسبانيا، قد تقلب السحر الرياضي على الساحر السياسي أو الاقتصادي، فنادي برشلونة، باعتباره مؤسسة رياضية تفوق ميزانيتها الكثير من دول العالم، أصبح إحدى الورقات الرابحة التي يعوّل عليها الانفصاليون بعد تأييده استقلال الإقليم، فيما تحاول المافيات الاقتصادية استغلال الضغط الجماهيري للتأثير على الرأي العام وحَرفِه حفاظاً على مصالحها الرياضية والسياسية، في منظومة تبادل منافع معقدة ومرعبة، لسنا بمعرض الخوض في تفاصيلها.

مع إعلان أرتورو ماس Artur Mas رئيس إقليم كاتالونيا نيّة إجراء استفتاء شعبي يقرر فيه الشعب الكتالوني ما إذا كان يريد الانفصال أو الاستمرار بالوحدة الإسبانية على الرغم من معارضة الحكومة المركزية، تحوّلت الأنظار إلى النادي الأشهر الذي سرعان ما أكد دعمه هذا الاستفتاء متخطّياً الخسائر الكبيرة التي سيتكبدّها على جميع الأصعدة.

التصريح الرسمي الأول جاء على لسان خافيير تيباس Javier Tebas رئيس اللجنة المنظمة للدوري الإسباني، وأكد فيه أن انفصال كتالونيا يعني خروج أندية الإقليم من المنافسات الرسمية التي يقيمها اتحاد الكرة الإسباني، مشيراً إلى أن أي قرار مغاير يحتاج إلى سنّ قوانين جديدة من قِبل البرلمان.

إذا أردنا تقييم الضرر الذي سيصيب الأطراف المعنية بخروج البارسا من الدوري الإسباني إن تم الاستقلال، فإن نسباً متساوية ستتوزع بين النادي والاتحاد الإسباني والدوري المحلي والمنتخب الوطني والغريم التقليدي ريال مدريد.

يقدّم إقليم كتالونيا نسبة 18.8% من الناتج المحلي الإسباني، متفوّقاً على الكثير من أقاليم البلاد، كما أن الناتج الداخلي للإقليم بلغ العام الماضي 245 مليون دولار، وهو الأعلى في إسبانيا. أما على الصعيد الرياضي فحقق البارسا أرباحاً وصلت إلى 143 مليون دولار خلال السنوات الأربعة الماضية فيما وصل فائض الموسم الأخير إلى نحو 52 مليون دولار. كل هذه الأرقام مهددة بالضياع لكونها مرتبطة بشبكة معقدة من المصالح المشتركة بين الإقليم واسبانيا الأم.

ترتبط أرقام البارسا وعائداته المادية بحقوق النقل التلفزيوني وجوائز المشاركة في المسابقات المحلية والأوروبية، بالإضافة إلى الصفقات الإعلانية والسياحة الرياضية، إذ يكفي أن نعرف أن ما لا يقلّ عن مليون ونصف المليون شخص يزورون الكامب نو ومتحفالنادي ومتجره الكبير سنوياً، لنقدر مقدار الأموال التي تدخل خزينة البلوغرانا. تعود هذه الأموال بالفائدة على الاتحاد الإسباني ومن ثم إسبانيا عموماً، وهذا ما يعني أن الانفصال- في حال حدوثه- سيتسبب بخسائر مزدوجة لكلا الطرفين. تكفي مغادرة برشلونة للبطولات الإسبانية ليخسر المشاركة في البطولات القارية والعالمية، ويدخل في دوامة تواضع الدولة الجديدة رياضياً، وما يترتب على ذلك من حلول إسعافية لن تستطيع الحدّ من الخسائر.

على صعيد التنافس الأزلي مع النادي الملكي، فإن خروج البارسا من الدوري الإسباني سيحقق بطولة محسومة سلفاً لريال مدريد الذي لن يجد من ينافسه على الألقاب، إذا وضعنا الموسم الاستثنائي لأتلتيكو مدريد العالم الماضي جانباً، وهو ما يعني تراجع المستوى الفني والجماهيري للبطولة، ويؤدي إلى عزوف النجوم عن الانتقال إلى أحد القطبين.

أما في ما يتعلق بمنتخب اللافوريا روخا، فيكفي التذكير بأن التشكيلة التي عادت بكأس العالم 2010 إلى العاصمة مدريد، ضمّت ستة لاعبين من برشلونة، خمسة منهم ينحدرون من كتالونيا، وهو الرقم ذاته الذي ضمّته التشكيلة الفائزة بلقب يورو 2012، ليتأكد عشاق المتادور أن تراجع المستوى الذي تشهده الكرة الإسبانية حالياً سيتحوّل إلى تدهور مرعب مع غياب أبناء كتالونيا، بدون الحاجة إلى ذكر ما ستعانيه المنتخبات الإسبانية في بقية الألعاب، بعد ابتعاد اللاعبين الكتلان.

ردود الأفعال على الانفصال المحتمل الذي قد يترتب عليه انفصال رياضي غير مسبوق، جاءت على لسان كل من الإسباني الكتالوني بيكيه Piqué  مدافع برشلونة، والفرنسي بن زيمة Benzema مهاجم الملكي، فالأول أكد بكل دبلوماسية أنه سعيد باللعب للمنتخب الإسباني مؤكداً أنه ليس مع الاستقلال ولكنه مع حصول الاستفتاء ومنح الشعب الكتالوني حق إبداء رأيه وتقرير مصيره، فيما قال الثاني إنه يأمل بقاء البارسا في الدوري الإسباني الذي لا يمكن لأحد أن يتخيّله في غياب أحد العملاقين.

يملك برشلونة ثلاثة خيارات تحدد مستقبله الرياضي إذا تمّ الانفصال، فإمّا أن تسن إسبانيا قوانين جديدة تسمح بمشاركة الفرق الكتالونية في البطولات الإسبانية على غرار التجربة الفرنسية مع موناكو والإنكليزية مع الفرق الولزية، وإمّا أن يرضخ النادي للعب في البطولة المحلية الكتالونية التي لن يجد فيها سوى اسبانيول Espanyol مع العديد من الفرق المغمورة، بالإضافة إلى ابتعاده عن البطولة القارية إلى حين اعتراف اليويفا UEFA باتحاد البلد الجديد وبطولاته المحلية.

أمّا الخيار الثالث، فهو انضمام ميسي Messi ورفاقه إلى بطولة أخرى، وعلى الرغم من أن الدوري الفرنسي هو المرشح المفترض لاستضافة البلوغرانا، فإن الجبهة الوطنية الفرنسية قدمت جواباً استباقياً رفضت فيه هذا المقترح.

الجبهة قالت إنها ترفض بصورة قاطعة وجود نادي برشلونة في الدوري الفرنسي، وأكد الرئيس التنفيذي للجبهة، إريك دومارد Eric Domard، "أن نادي موناكو Monaco استثناء"، كما أن الأخير أصبح نادياً فرنسياً بشكل أو بآخر بعد تعديلات القوانين الجديدة التي أجبرته على دفع الضرائب المحلية التي كان نادي الإمارة غير معني بها لكونه مؤسسة "أجنبية" لا تخضع للقوانين الفرنسية.

برغم إقرار المحكمة الدستورية الإسبانية رفض الاستفتاء ورضوخ السلطات الكتالونية للأمر الواقع والاتفاق مع الحكومة المركزية على حوار يتطلع إلى إيجاد حلول للأسباب التي دعت الإقليم للسعي إلى الاستقلال، فإن الرئيس ماس أكد المضي في إجراء الاستفتاء  بشكل غير رسمي، في خطوة فسّرها المحللون كمحاولة لاستخدام النتيجة "غير الرسمية" في الحصول على مكاسب سياسية مهمة.

مهما تكن الظروف، وسواء تحولت النتائج غير الرسمية إلى رسمية مستقبلاً، فإن الأرصدة المالية الضخمة التي تتقاسمها الأطراف المعنية بالقضية رياضياً، تجعل من تغيير القوانين لتكفل استمرار البارسا و​من خلفه بقية أندية كتالونيا تحت المظلة الإسبانية، أسهل القرارات التي يمكن اتخاذها.

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

التعليقات

المقال التالي