لماذا قطع الرأس؟

لماذا قطع الرأس؟

كم من القوة يحتاج أحدهم لقطع رأس إنسان؟ لمَ الإصرار على قطع الرؤوس في حين تتعدد طرق القتل التي يمكن أن تكون أكثر رأفةً ورحمةً بالضحية؟ لا يخلو التاريخ من حوادث قطع الرؤوس، سواءً كانت علنيّة أم سريّة، فمن قصة يوحنا المعمدان والإمبراطور هيرودوس إلى واقعة كربلاء وقطع رأس الحسين، لا تزال الرؤوس تتدحرج حتى يومنا هذا. أمام هذه الظاهرة المتجدّدة اليوم، لا يمكننا سوى أن نتساءل عن دلالاتها والرسالة التي يريد قاطعو الرؤوس إيصالها إلى العالم؟

يوحنا المعمدان والإمبراطور هيرودوس

تعتبر قصة يوحنا المعمدان من أكثر القصص تأثيرًا في تاريخ الديانة المسيحية في ما يتعلق بموضوع قطع الرؤوس، فالنبي الذي بشّر بقدوم يسوع المسيح وعمّده في نهر الأردن، قتله الإمبراطور هيرودوس بناء على طلب من سالومي ابنة زوجته هيروديا، التي أغوت الإمبراطور وطلبت رأس يوحنا المعمدان على طبق، فأرسل هذا الأخير سيافاً وأمره بأن يأتي برأس يوحنا. لماذا لم يكتفِ الإمبراطور هيرودوس بقتله دون قطع رأسه؟ قطعُ رأس يوحنا يمثل شهادةً تاريخيةً على مجابهة الخطيئة الكبرى بأقصى عقوبة. النص المقدس يرى في هيرودس آثماً لكونه تزوّج من زوجة أخيه. "عورة امرأة أخيك لا تكشف" (لاويين 18: 16) و"إذا أخذ رجلٌ امرأة أخيه فذلك نجاسة" (لاويين 20: 21). نفّذ هيرودوس أقبح طرق القتل وأشدها وحشيّةً وقَطَعَ رأس من خالفه في مجونه، فيوحنا المعمدان هو الذي حذّره من الزواج بزوجة أخيه. حادثة قطع رأس يوحنا المعمدان ما زالت تذكر حتى يومنا هذا، والكثير من الفنانين جسدوا قصته في لوحاتهم.

يشهد التاريخ الإسلامي كذلك على حوادث قطع الرؤوس، ولعلّ أكثرها خلودًا في الذاكرة قطع رأس الحسين في واقعة كربلاء ونقله على الحراب من كربلاء إلى دمشق. أراد يزيد من استعراض رأس الحسين على الحراب أن يجعل منه عبرةً لمن يقف في وجهه مهما علا مقامه بين الناس، ويعتبر القول الشهير بأن يزيد بن معاوية وخز بالعصا شفتي رأس الحسين من أكثر المواقف في التاريخ الإسلامي تأكيداً على بطش السلطة السياسة وتفوقها على الحضور الديني، فالبطش في أقصى درجاته لا يعرف أي حدود، والعقوبة القصوى، أي قطع الرأس، هي التجسيد المادي الوحيد لهذه الدرجات من البطش.

السلطة وقطع الرأس

مع ظهور المجتمعات الحديثة، تم تطوير طرق جديدة لقطع الرأس تردع كل من تسوّل له نفسه مخالفة القانون. تعتبر المقصلة، وهي أداة تستخدم لفصل الرأس عن الجسد إحدى الدلائل الدامغة على قدرة الدولة على فرض سلطتها وبث الرعب في نفوس المواطنين. وكانت تنفذ أحكام الإعدام بالمقصلة بطريقةٍ علنيةٍ ليشهد عليها أكبر عددٍ من الناس، بهدف ردعهم عن مخالفة القانون.

تطرّق الأديب الفرنسي ألبير كامو Albert Camus في كتابه "تأمّلات في المقصلة" Reflexions sur la guillotine إلى هذه الحالة عندما قال "إن العنق المقطوع هذا، وذاك الرأس، ونافورة الدم المرتفعة تلك، يعود تاريخها إلى عصرٍ همجي كان يؤثر على الشعب بمشاهد مذلّة، ولكن ما من إنسانٍ طبيعيٍ لا يأخذه الغثيان لمجرد التفكير بهذه الأفعال القذرة".

موقف كامو ينبع من توجه أخلاقي تجاه إنكار عقوبة الموت ذاتها، ويرى فيها فشل الدولة في ضبط مواطنيها. مهما قطعت رؤوسٌ في العلن فلن يردع ذلك أحداً عن ارتكاب جريمة، وكأن قطع الرأس هو تحدي للوجود الإنساني أمام الوجود الرمزي للدولة، وكأن الإهانة للجسد البشري لا تكفي فقط باغتيال وجوده، بل بتشويه تكوينه عبر فصل الرأس وعرضه بصورة ملحميّة أمام الجموع باسم القانون. إنَّ التحكم بالرأس يعني التحكم بأساس الإنسان المتمثل بعقله، فالموضوع يتجاوز الفعل المادي والدموية التي يحملها، بل هو رسالة علنية لانتصار السلطة على الوجود والقيمة الإنسانية للضحية.

هذا ما تشهده المنطقة الآن بظهور التيارات المتشددة التي تجعل من عقوبة قطع الرأس إعلاناً عن وجودها، إعلاناً عن القسوة القائمة. على الرغم من حوادث قطع الرؤوس التي شهدها التاريخ الإسلامي حتى في عهد الرسول محمد، فإن الصيغة الدرامية التي يكتسبها اليوم تجعل منه أقرب للسخرية التاريخية. فعلى الرغم من تقدم البشرية وحقوق الإنسان وأساليب سلب الحياة "الأكثر إنسانية"، ما زالت أشباح التاريخ تطوف في المنطقة وتتمتع بالقدرة على إثبات حضورها الدموي بشكل يومي. وكأنها رسائل تهزأ بالقيم المعاصرة بعيداً عن عوامل التخويف والإرهاب المبطنة. وجود جهادي يصور نفسه بـ"آي باد" وهو يقطع رأس "كافر"، هو سخرية من القيم البشرية وبرهاناً على ظلامية ما زالت تختزنها المنطقة العربية في باطن التكوينات الهشة للدول العربية المعاصرة.

تم نشر المقال على الموقع بتاريخ 22.09.2014

عمّار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي