مترو الغرباء

مترو الغرباء

لم تتكحل أعيننا بمشاهدة المترو في دمشق، سمعنا الأساطير عنه، هناك شركة سوفييتية وضعت مخطط مترو دمشق. إنه نفس مخطط مترو موسكو ولينينغراد أيام ماكان إسمها لينينغراد، وسوف ينفذه الخبراء الروس الذين بتنا نعرفهم جيداً. “مرخبا سديك”، يقول الخبير الروسي في معامل الدفاع لابن عمتي العسكري من صنف أبو شحاطة كما يقولون عن العساكر العاديين الذين لا ينتمون إلى الوحدات الخاصة أو سرايا الدفاع، فيصرعنا ابن عمتي بالخبير الروسي وصداقته له... إلا أن مترو دمشق لم يدخل حيز التنفيذ، هذا إذا سلّمنا جدلاً بأن مخططاته كانت جاهزة حسب الرفاق الستالينيين البكداشيين من أصدقائنا الثورين… والسبب هو حظنا السيء، إذ أن الاتحاد السوفييتي الصديق انهار، والرفيق غورباتشوف رمى المخطط في بحر إصلاحاته غير المحمودة حسب البكداشيين عندنا الغاضبين من غورباتشوف وعليه، وبالتالي لم يعد لنا أن نحلم بمترو دمشق.

ثم جاءت البشرى السارة من أشاوس التسعينيات، اليابانيون بدأوا يخططون لمترو دمشق، غير أنّ تربة دمشق غير صالحة للحفر، ربما تنهار... ولكن لليابانيين حلولهم، وللسوريين حلولهم أيضاً: بدأ المكرو يصول ويجول على كل خطوط المدينة. هم عندهم مترو، ونحن لدينا المكرو، قالها المعلق السياسي بفخر واعتزاز!

انتشرت العشوائيات السكنية، وطارت الأشجار من الأرياف لتحل محلها البنايات المخالفة للقانون برعاية حماة القانون والديار، وطارت الغوطة، وطارت البساتين، تحت أنظار حبيب الملايين، فابتكرَ سيادته عيد الشجرة، والتقطَ الصور وهو يزرع الأشجار، وجرَّ التلاميذ والموظفين والعساكر إلى البراري القاحلة جراً كي يزرعوا ولا يقطعوا، وكانوا يزرعون في عيد الشجرة الأشجار، ثم يقتلعونها بهدوء واسترخاء باقي الأيام، حتى غدت دمشق صحراء مكتظة بالسكان، بينما بيانات مخطط المترو الشهير غافية في مكاتب اليابان…

يخرب بيت اليابانيين، ما في شي ما عملوه، ما بيعجزوا عن شي، والمترو الحبيب تبعنا يرفض أن يسير في الأنحاء، لأن مخططاته تحتاج لكي تنفَّذ إلى ألف عام، لذا اكتفينا بالمكرو، ركبناه على كل خطوط المدينة، زملكا وسقبا وحمورية، جوبر مزة أوتوستراد، عسالي ميدان، وحده المكرو في الميدان. سموها الجرادين البيضاء، وصار النقد البنَّاء في جرائد الدولة هو نقد المكروباصات، الكاتب الجريء لديه مساحة هائلة للانتقاد. المكرو، إنه الخطأ الوحيد المسموح بانتقاده في هذه البلاد، أما المترو فكان الحلم الوحيد المسموح به في هذه الدولة، وعلى هذه الثنائية كان إفطارنا والصيام، إلى أن تسنى للمواطنين السوريين تحقيق حلمهم بركوب المترو، لكن خارج الشام وبلاد الشام، هناك في بلاد الفرنجة حيث ألقت الأقدار ببعض السوريين كسوّاح رغماً عنهم. منهم من تبختر في مترو باريس، ومنهم من تمختر في مترو لندن الذي يسمونه بالأندر غراوند، ومنهم من علقت يده بالباب في مترو مرسيليا، لكن فليشكر ربه أن يده علقت وهو داخل المترو وليس خارجه، في الحقيقة لا أعرف ما الذي كان سيحدث لو علقت يده من الخارج، ربما لم يكن ليمشي المترو، لستُ على دراية بحادثة من هذا النوع…

لكن ما حدث معنا كان أننا كنا ذاهبين إلى موعد عمل، وصعدنا المترو، سوريون في مرسيليا، وضيف سوري من باريس. أغلق المترو أبوابه لحظة صعودنا، أما باب عربتنا فقد أطبق درفتيه على يد ضيفنا المثقف السوري الباريسي، وانطلق مترو مرسيليا بينما كانت يد السوري الباريسي عالقة في الباب. هدّأناه مستغربين في الآن ذاته كيف أن المترو انطلق في هذه الحالة، لكن يبدو أن هذه الأشياء تحدث، فليست كل الأشياء في الغرب مثالية كما نعتقد... طمأنَّا صديقنا إلى أنه سيتحرر في المحطة التالية حين تُفتَح الأبواب، ووصل المترو إلى المحطة، وفُتِحت الأبواب، لكن من الجهة المقابلة هذه المرة، وبقيت يد أخينا بالله عالقة بالباب، ولا مجال للصراخ!

يا أبو الشباب هوب هوب، فشوفير المترو شخص غير موجود تحت الأنظار، ليس كشوفير المكرو بين الأيادي، والأيادي علقانة بالباب، وطول بالك يا باشا، هلأ بيوصل المترو للمحطة وبينفك أسر إيدك، ألله يفك أسر معتقلينا، آمين يا رب العالمين، ودعَونا له بالفَرَج كعادتنا في مواجهة المُحال، فوصل المترو إلى المحطة، وفُتِحت الأبواب، لكن من الجهة المقابلة أيضاً، وبقيت يد المثقف السوري الباريسي عالقة بالباب، فقال السوري الباريسي: العمى شو شبِّيح هالباب! وضحكنا كما يضحك الغرباء، ضحكات خجولة متوسلة ألا يزعل منا السكان على البهدلة التي نحن في خضمها، وألا يزعل شوفيرو المترو، وألا يزعل الباب، ووصلنا إلى محطتنا، وفُتِحت الأبواب المقابلة أيضاً على عكس رغبتنا، فتركنا مثقفنا الباريسي عالقاً بالباب على أمل أن يلحق بنا حال نيله الحرية، ونزلنا على أنغام عتب ولوم الباريسي السوري: يا حيف… تركتوني لوحدي ياحيف...

لكننا طيلسنا على العتابا، وهرعنا إلى الموعد وكأننا لم نترك واحداً من الفريق في قبضة باب، لكن الحمد لله الفرج جاء، فبعد ساعة كان المثقف السوري الباريسي  يجلس معنا وهو يشكر الدولة السورية على نعمة المكرو الوطنية.

التعليقات

المقال التالي