هل يفتح سوق العمل المصري بابه للصم والبكم؟

هل يفتح سوق العمل المصري بابه للصم والبكم؟

"كلما تقدّمت لوظيفة، شكروني وقالوا إنهم سيتصلون بي". هكذا تبدأ أماني مصطفى (22 عاماً) حديثها عن المشاكل التي تواجه الصّم والبكم خلال بحثهم عن فرصة عمل في مصر. تتابع بسخرية: "قد تكون المشكلة في الاتصالات، ما زلت في انتظار هذا الاتصال الذي لا يأتي".

حالة أماني لا تختلف كثيراً عن وضع أكثر من 5 ملايين شخص في مصر يعانون من الصمم والبكم، كما أكدت لرصيف 22 نادية عبدالله، المحامية في المجلس القومي التابع لمجلس الوزراء المصري ورئيسة المؤسسة المصرية لحقوق الصمم.

لا تكتفي الجهات الرسمية المصرية بتجاهل تأهيل الصّم والبكم تعليمياً، بل تتمادى أكثر بتركهم من دون أي عمل يناسب قدراتهم الذهنية.

حاولت أماني جاهدة الحصول على وظيفة تتلاءم مع مؤهلاتها الدراسية، وهي الحاصلة على بكالوريوس في المعلومات الإدارية، إلا أن معظم أصحاب العمل يرفضون توظيفها بسبب مشكلتها في السمع والنطق، على الرغم من أن معظم هذه الوظائف تعتمد بشكل رئيسي على الحاسوب، ولا تتطلب مجهوداً تواصلياً مباشراً. تقول أماني: "إن معظم الأعمال التي تعرض على الصم والبكم في مصر تعتمد على اللياقة الجسدية فقط. كثيراً من أصحابي يضطرون للموافقة على ذلك، ولكنني أرفض لأنها خارج مجال دراستي".

حالة الرفض شبه المتعمدة التي واجهتها أماني جعلتها تتجه إلى مجال التصوير الذي لا يعتمد على السمع والنطق بل يولي الاهتمام الكافي لعين المصور وإحساسه. قررت أماني خوض التجربة والتحقت بالعديد من الدورات التدريبية وورش العمل المتخصصة من أجل تنمية موهبتها ورفع مستوى احترافها لمجال التصوير. لكن طموح أماني اصطدم مرة جديدة بالعقلية السائدة في سوق العمل المصري. فحين تقدمت لوظيفة "مصور" في إحدى الصحف المحلية، تم رفضها بسبب حالتها السمعية.

الاحباط الذي تعانيه أماني ومثيلاتها في مصر لا يعني عدم وجود بعض الاستثناءات. رامز عباس (26 عاماً) تحدّى عدم قدرته على السمع والنطق وقرر في سن العاشرة أن يتعلم النطق من خلال مراقبة حركة الشفاه. واجه الكثير من الصعوبات في سوق العمل، لا سيما أنه اضطرّ مطولاً إلى القيام بأعمال ذات علاقة بالقوة الجسدية فقط، بسبب حاجته لتأمين المال لإعالة نفسه، تنقل بين عشرات الوظائف التي لا تتناسب مع مؤهلاته التعليمية أو مع ما يطمح إلى تحقيقه في مسيرته المهنية.

عندما كان يعمل في مطعم للوجبات السريعة، كان صاحب العمل، برغم الصداقة التي نشأت بينهما، دائم الإصرار على أن يتوقف عن البحث عن أعمال انتاجية تتوافق مع أحلامه وطموحاته في مجال الإعلام. حاول صاحب المطعم أن يثنيه مراراً عن الفكرة، إلا أن عباس قرر أن يترك العمل ويثبت له وللآخرين أنه يمتلك الامكانات التي تمكنه من تحقيق ما يصبو اليه. تقدم للحصول على وظيفة في مكتب الإعلام التابع للمجلس القومي لشؤون الإعاقه وحصل على الموافقة. يقول: "مهمتي الآن تنحصر بإيصال المشاكل والمعوقات التي تواجهنا نحن الصم والبكم إلى الإعلام والرأي العام".

يتمنى رامز أن تنشىء الحكومة هيئة أو لجنة تتولّى إعداد الصم والبكم لسوق العمل في مصر وأن تكون مهمتها معرفة متطلباتهم كي تساعد على توجيههم وتدريبهم.

تؤكد نادية عبدالله، رئيسة المؤسسة المصرية لحقوق الصم، أن الصم والبكم في مصر يتعرضون لظلم كبير، مشبهة إياهم بـ"القنبلة الموقوتة بسبب سياسات التهميش والإقصاء التي يعانونها وعدم تمكنهم من توطيد أواصر العلاقة والاتصال مع الأشخاص العاديين".

وتنبه إلى أن هؤلاء غالباً ما يتم حصرهم بالأعمال الانتاجية من دون الالتفات إلى إمكاناتهم وقدراتهم الذهنية التي يمكن أن تفوق أي شخص عادي. طبقاً للقوانين المصرية، تنص المادة رقم 39 لسنة 1975 أن يتم تخصيص 5% من قوة العمل في أي أعمال حكومية وخاصة لذوي القدرات الخاصة. إلا أنه لم يتم تقسيم هذه النسبة المئوية على أنواع تلك القدرات (ذهنية أو حركية أو سمعية).

تطالب عبدالله بأن تكون هناك هيئة رقابية على الشركات والمصانع العامة والخاصة من أجل إشراك نسبة 5% من ذوي القدرات الخاصة، كما هو منصوص عليه قانونياً، لافتةً إلى أن مخالفة هذه المادة تحدد بغرامة لا تتعدى 100 جنيه (13 دولاراً). يفضّل صاحب العمل دفع هذه الغرامة الزهيدة عوضاً عن تنفيذ القانون الذي يكلفه مرتب عامل كامل.

أما في ما يتصل بتعليم الصم والبكم  في مصر، فتشير عبدالله إلى أن هناك إشكالية كبيرة لجهة عدم إمكان دمجهم في المدارس الحكومية العادية، فيتمّ تسجيلهم في مدارس خاصة لتعليم الصم والبكم. هذه المدارس لا تقوم بتدريبهم وتعليمهم طرق التواصل مع الأشخاص الآخرين. وبما أن غالبية الجامعات الحكومية الرسمية لا تستقبل الصّم والبكم، يضطر هؤلاء لاستكمال تعليمهم في معاهد خاصة.

التعليقات

المقال التالي