عذراً، أنا مع الأوروغواي ضدّ الأردن

عذراً، أنا مع الأوروغواي ضدّ الأردن

في العام 2004، استضافت تونس كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم. وقتها، عرّفني أحد الأصدقاء إلى شابٍ شيوعي تونسي منفي في سوريا من قبل نظام بن علي، يُدعى "لومومبا". لومومبا هذا صدمني أولاً لكنوه لا يطيق سماع فيروز، لا صباحاً ولا مساءً، ولا في أيّ وقت، ويفضّل ماجدة الرومي عليها. وصدمني تالياً عندما لاحظ حماسي واندفاعي في تشجيع المنتخب التونسيّ لكرة القدم في البطولة الإفريقية، إذ قال لي: “أتمنى أن يخسر المنتخب.. وأن يفشل تنظيم البطولة”.

لمّا رأى دهشتي واستغرابي ولاحظ أنّ نظرتي له ستشوبها أسئلة "وطنيّة" كثيرة، فسّر لي  الأمر “لا أتمنى نجاح أيّ شيء في دول تحكمها الديكتاتوريات، لأنّ الديكتاتور يستثمر كل نجاح في ترسيخ نظامه الفاسد، حتى النجاحات الفردية، وسيبدو ذلك للبسطاء نصراً تحقق في زمن "السيّد الرئيس".

بعد مرور تسعة أعوام على ذلك الحديث، أفكّرُ فيما قاله لومومبا. حدث ذلك وأنا أشاهد مباراة كرة قدم للمنتخب الأردنيّ الذي يسعى للوصول إلى كأس العالم القادمة في البرازيل عبر الملحق المؤهل، الذي وضعه في مواجهة منتخب الأورغواي. كانت مباراة تحضيرية في عمان، وكان الجمهور الأردنيّ في الملعب يهتف بصوت واحد “الشعب يريد سيّدنا أبو حسين”.

حسناً، الأردن ستلاقي الأورغواي، التي يجلس على كرسيّ رئاستها، خوسيه موخيتا. هو رجل في الثامنة والسبعين من عمره، يسكن في مزرعة برفقة زوجته وكلبته "مانويلا"، ويتبرع بتسعين في المئة من راتبه الشهري الذي يبلغ أصلاً حوالي 12000 دولار أمريكي، ليكتفي بما يقارب 1250 دولاراً، يقول إنها تكفي لحياة كريمة له ولزوجته. موخيتا هذا جعل الأورغواي ثاني أقلّ دولة فساداً في دول أمريكا اللاتينية، ذلك أنّه وكما قال في مقابلة تلفزيونية: "إنّ أهمّ أمر في القيادة المثالية أن تبادر بالفعل ليسهل على الآخرين تطبيقه".

download

في المقابل، تؤكّد دراسة أجراها مركز "الفينيق" للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، أنمعدلات البطالة بين الشباب الأردني هي الأعلى في العالم، وبواقع 30.1 % للفئة العمرية بين 15 و19 عاماً، و29.1 % للفئة بين 20 و24 عاماً (من غير الجالسين على مقاعد الدراسة للفئتين)، وفق أحدث المؤشرات الإحصائية المحلية والدولية للعام 2013.

يحدث هذا في بلد تحتفل الملكة فيه بعيد ميلادها الأربعين في حفل كلّف مئات الآلاف من الدولارات، بحضور لفيف غير متجانس من البشر، مثل بيل وهيلاري كلينتون، ومصمم الأزياء روبرتو كافالي، والنجم ليونيل ميسي، والإعلامي زافين قيومجيان، و"السوبر ستار" راغب علامة! خليط يبدو غير متجانس إلا مع فكرة البذخ والسيطرة والشهرة، والضربات الإعلامية.

يبدو السؤال أكثر إلحاحاً الآن... من سأشجّعُ في اللقاء المرتقب؟!

لقد فتحت الثورات العربية الباب على مصراعيه لنا كشعوب مبتلاة، لإعادة النظر في كلّ الأفكار التي كنّا قد حفظناها، أو أجبرنا على حفظها، والقناعات التي تسللت باللاوعي إلينا، وآمنّا بها على مدار عقود الحكم الديكتاتوريّ الذي اجتاح المنطقة العربيةَ برمّتها وبوقت واحد تقريباً. صار من الضروريّ والواجب طرح الأسئلة على تلك القناعات، ووضع تلك المسلمات في غرفة التحقيق، ليس من باب "النقد الذاتي" الذي أتحفنا به اليسار ثمّ أبقى كلّ شيء على ما هو عليه، وكأنّ الأمر متعلّق بالمانشيت الإعلامي "قمنا بنقد ذاتيّ"، إنما لأنّ غربلةَ الأفكار الجاهزة، والموروثات المسلّمة، صارت ضرورة للتماشي مع ما قدمته الشعوب من تضحيات في سبيل التغيير.

فماذا يعني وجوب تشجيع منتخب عربي في مباراة ما، فقط لأنّهُ عربيّ؟! وماذا يعني أن أدعم قطر في استضافة مونديال 2022، وهي التي أزالت منذ أيام تمثالاً للنحات الجزائريّ الفرنسيّ "عادل عبد الصمد"، يجسّد الحادثة الشهيرة التي وقعت في نهائي كأس العالم 2006، والتي تمثّلت في قيام اللاعب زين الدين زيدان بنطح اللاعب الإيطالي ماركو ماتيراتزي في صدره، وعلى إثرها طرد زيدان من النهائي، واشتهرت بنطحة زيدان، وقد سمّى الفنان عادل عبد الصمد تمثاله بهذا الإسم، وكان منصوباً في إحدى ساحات العاصمة القطرية الدوحة، قبل أن تزيله الحكومة القطرية "التي اشترته من متحف بومبيدو في فرنسا"، بدعوى أنّه أثار جدلاً في الأوساط المحافظة القطرية لأنّه يمثّلُ العودة إلى "الأصنام"!!

لو رأيت اليوم لومومبا، لقلت له شكراً.. فالدول التي تحكمها الديكتاتوريات والعقول المتحجرة، يجب أن تفشل في كلّ شيء.

عذراً... أنا مع الأورغواي.

التعليقات

المقال التالي