هل بدأت الحرب على أصحاب العمائم السوداء في السودان؟

هل بدأت الحرب على أصحاب العمائم السوداء في السودان؟

قبل أكثر من ربع قرن من اليوم، وتحديداً عام 1988، افتُتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان خلال عهد حكومة رئيس الوزراء السابق السيد الصادق المهدي. يعكس المركز الثقافي الإيراني ما يُعرف بالمدّ الشيعي في السودان، حتى لو جاء الاعتراف بهذه العلاقة من قِبل الحكومة السودانية مـتأخّراً بفترة تقدر بعمر المركز منذ افتتاحه حتى الآن.

تزايد المدّ الشيعي وفقاً لدراسات وتقارير متطابقة في عهد حكومة الإنقاذ الحالية التي تتمتع بعلاقة قوية وإستراتيجية مع إيران، وهو ما جعل الحكومة تغضّ الطرف عن التبعات الدينية لهذه العلاقة، التي لم تحظَ باستحسان أصدقاء السودان من الدول العربية، وفي مُقدّمهم المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة.

أمّا في الساحة السودانية، فيدور جدلٌ واسعٌ حول تنامي الوجود الشيعي نتيجة للنشاط الإيراني المتستّر تحت غطاء لافتة المراكز الثقافية. وقد أثار هذا الوضع حفيظة تيارات إسلامية مختلفة وحذّرت منابر خطابية عديدة في المساجد السلطات من تمدّد الفكر الشيعي، واعتبرته تطوّراً خطيراً ينبغي الالتفات إليه وحسمه. ولكنّ المطالبات كانت على استحياء لأنّ الصوت الرسمي وإن لم ينه عن التطرق لهذا الموضوع، فهو لم يدعمه.

قرّرت الحكومة السودانية ممثلة في وزارة الخارجية بداية شهر سبتمبر الجاري إغلاق المركز الثقافي الإيراني في الخرطوم معتبرةً أن المركز تجاوز التفويض الممنوح له والاختصاصات التي تحدّد الأنشطة التي يخول له القيام بها، مما جعله تهديداً  للأمن الفكري والاجتماعي في السودان. قال المتحدث باسم وزارة الخارجية، يوسف الكردفاني: "أصبح من الضروري اتخاذ موقف من هذا المركز بصورة رسمية، وإغلاق المراكز وطرد القائمين عليها في المركز والولايات".

خفايا القرار

يرى أغلب المهتمين بالشأن السوداني أن الدوافع من قرار الإغلاق سياسية بامتياز لا سيما مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وازدياد عزلة السودان الدولية بسبب ارتماء حكومة الإنقاذ في حضن الدولة الإيرانية. وكانت قد تفاقمت متاعب الخرطوم بعد أن شدّدت الولايات المتحدة العقوبات ووضعتها ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب.

أما الآن، فقد ازداد الوضع سوءاً بعد أن توسّعت العزلة لتشمل محيط السودان الإقليمي والعربي، ودول الخليج تحديداً التي رفضت تقديم أيّ تسهيلات في معاملاتها التجارية والمصرفية مع حكومة الرئيس عمر البشير، وبالأخصّ المملكة العربية السعودية التي كانت تربطها صلات قوية ومتينة مع حكومة الإنقاذ.

بفضل هذه الخطوة، تأمل السلطات السودانية العودة للمحيط العربي، وإزالة التوتر بينها وبين دول الخليج التي كانت تمثّل شرياناً أساسياً للشعب السوداني من خلال الاستثمارات التي فاقت الثلاثين مليار دولار.

ترحيب الجماعات الاسلامية 

لاقى قرار الحكومة السودانية بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية ترحيباً واسعاً من الجماعات الإسلامية المختلفة. وأكّدت جماعة الإخوان المسلمين دعمها لقرار إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية مشدّدةً على أهمية التمسّك بالقرار وعدم التراجع عنه مهما كانت الضغوط والمساومات. وفي بيان لها، دعت الجماعة إلى تعقّب معاقل التشيّع وتحصين المجتمع من "أخطار" هذا الفكر بفضل إصلاح المناهج الدراسية والسياسة الإعلامية. كذلك رحَّب مجمع الفقة الإسلامي ورابطة علماء المسلمين والجماعات الإسلامية بالسودان بالقرار بعد أن اعتبرت أن المركز الثقافي الإيراني "مهدداً للأمنيْن الفكري والاجتماعي بالبلاد". وقال رئيس مجمع الفقه الإسلامي، عصام أحمد البشير، إنهم دفعوا بثماني توصيات للجهات المختصة للحد من خطر الانتشار الشيعي في مجتمع سنيّ المذهب. بينما أشادت رابطة علماء المسلمين بقرار إبعاد الملحق الثقافي الإيراني وإغلاق المراكز "الثقافية الإيرانية في السودان لدورها "الخطير في نشر التشيّع وصنع المؤامرات.

تتركّز أنشطة المراكز الثقافية الإيرانية البالغ عددها 26 مركزاً في العاصمة والولايات، كما كل المراكز الثقافية الأخرى، على تنظيم دورات في تعلّم اللغة الفارسية. ويملك كلّ مركزٍ مكتبة عامة مفتوحة للجمهور. وينظّم المركز الثقافي رحلات سنوية للصحافيين السودانيين لزيارة إيران وأبرز معالمها الثقافية والدينية بالإضافة لمسابقات في مجال القصة القصيرة والرواية.

وقدّر تقرير أصدره المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية في القاهرة، مطلع العام الجاري، أعداد الحسينيات الشيعية في السودان بخمس عشرة حسينية موزّعة بين العاصمة الخرطوم وولايات كردفان والنيل الأبيض ونهر النيل. وكشف الكاتب الصحفي محجوب عروة نقلاً عن وزير سابق أن قرار إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية كان قد اتخذه مجلس الوزراء السوداني قبل خمس سنوات على خلفية تقرير سابق. وتضمّن الأخير أنّ أنشطة الملحقية الثقافية السودانية في طهران كانت معطّلة، وأنّ عمل الملحق السوداني اقتصر على قراءة الصحف. ويُعزى السبب إلى أنه لا يسمح للملحقية بالعمل إلا يوم الجمعة ويمنع أي إيراني من حضور فعاليتها بعكس ما يُسمح في السودان حيث ارتفع عدد الحسينيات ووصل عدد الشيعة إلى خمسة وعشرين ألف سوداني.

ما بين سكوت الجماعات الدينية التي يرتبط أغلبها بالحكومة والغطاء الحكومي- المتوهم ربما لنشاط إيران داخل السودان- بات المدّ الشيعي جليّاً في السودان الشمالي والأوسط والغربي وحتى في العاصمة الخرطوم التي أصبحت الأوسع استيعاباً لأصحاب المذهب الشيعي. وكان أول ظهور علني حاشد للشيعة في السودان عام 2009 لدى تنظيم احتفالية بذكرى مولد الإمام المهدي في ضاحية جبل أولياء الشعبية، أقصى جنوبي العاصمة.

التعليقات

المقال التالي