كيف يعيش السوريون في مدينة غازي عنتاب التركية؟

كيف يعيش السوريون في مدينة غازي عنتاب التركية؟

كيفما تنقلت في مدينة غازي عنتاب التركية، تجد باعة متجولين من السوريين، على الرغم من الإجراءات المشددة من قِبل الشرطة التركية على إثر موجة الاحتجاجات التي طالت التواجد السوري في المدينة منتصف شهر أغسطس. هؤلاء لم يسعفهم الحظ في إيجاد وظائف في قطاعات الخدمات والمطاعم، مثلهم مثل الكثيرين غيرهم، وقسم لا يستهان به منهم، من أصحاب الشهادات العليا.

أسعد، 34 عاماً، تخرج من كلية التجارة والاقتصاد منذ ثماني سنوات، وكان يعمل محاسباً في أحد المعامل. اضطرته الظروف للعمل نادلاً في مطعم بغازي عنتاب. يتحدث أسعد. وهو يضع الأطباق على الطاولة، عن محاولاته المتكررة للحصول على وظيفة مناسبة، ولكن بلا فائدة. فسوق العمل في تركيا يحتاج إلى تدريب وكفاءة وخاصةً إلى إتقان اللغة التركية. أما عن الوظائف التي توفرها مؤسّسات المعارضة، فيقول أسعد ساخراً: "هنا أيضاً تحتاج لمحسوبية ومعارف".

يستذكر أسعد أجره في سوريا. لم يكن الأجر كافياً لتوفير حياة كريمة، لكنه كان يسد الحاجات الأساسية، ويؤمن له وضعاً اجتماعياً لائقاً. أسعد حاله حال الكثير من الخريجين السوريين، الذين فقد مئات الآلاف منهم وظائفهم في القطاع الحكومي والخاص منذ تفجر الثورة السورية.

القطاع العام في تركيا لم يتأثر بهجرة العمالة السورية، خاصةً أن غالبية اليد العاملة السورية تفتقر للخبرة والكفاءة والتدريب. ينحصر المظهر الاقتصادي السوري في القطاع الاقتصادي الشعبي، وهو مضبوط من قِبل السلطات التركية بشكل انتقائي يفسح المجال لحاجة السوق على نحو لا يضر بالمؤسسات والقطاع الاقتصادي التركي، الخاص والعام.

في محل صغير لتنظيف الألبسة في إحدى حارات غازي عنتاب، تجد شاباً يرتدي لباساً متواضعاً، اكتفى بذكر أول حرفين من اسمه، حفاظاً على الخصوصية مثلما يقول. الشاب الذي يشارف الثلاثين من عمره وتخرج من كلية الهندسة المدنية، يعمل أكثر من 13 ساعة يومياً، لكي يكسب مصروفه ومصروف أهله. بينما يهم بكيّ إحدى قطع الملابس، يستذكر مسيرته بالبحث عن عمل، وخسارته مبلغاً يتجاوز الألف دولار، أعطاه لشخص كي يساعده على الهجرة إلى أوروبا، ولكنه لم يسافر ولم يسترجع المبلغ.

لا إحصاءات دقيقة عن عدد السوريين في قطاعات الخدمات والمطاعم في غازي عنتاب، ولكنهم باتوا يشكلون فيها ركيزة مهمة. الكثير من السوريين في المقابل لم يحالفهم الحظ في إيجاد فرصة عمل، فيفترشوا أبنية قديمة ويناموا فيها، ويقضوا الأيام وهم يتسوّلون في الطرقات.

السوريون في مدينة غازي عنتاب التركية .. كيف يعيشون؟

وفقاً لعاملين سابقين في قطاعات الدولة السورية المعنية بالشؤون الاجتماعية والعمل، لم تكن نسب الفقر تتجاوز الـ30% قبل الثورة السورية، ولكن الخط البياني الآن في تزايد ملحوظ، ولا إجراءات فعّالة تُتخذ من قِبل المعارضة الرسمية أو المؤسسات المعنية بشؤون اللاجئين السوريين. المانحون يحاولون إقناع الناشطين السوريين بضرورة تحويل المنح المالية التي تصلهم لمصادر إنتاجية، تلافياً للفقر وتحسباً لطول أمد الأزمة، ولكن الأموال بغالبيتها تذهب إلى مشاريع لا طائل منها، سوى أنها تعود بالربح على بضع مئات من الناشطين، برواتب شهرية تراوح بين 2000 و6000 ألف دولار، حسب ما أدلت به إحدى الناشطات في مجال الإغاثة.

السوق السوري

لا إحصاءات دقيقة جداً في شأن الإقبال السوري على الأسواق التركية وبضائعها ومنتجاتها. يعتبر السوق الشعبي المعروف بالسوق السوري الوجهة الأولى للسوريين في غازي عنتاب. كان يسمى قبل النزوح السوري بالبازار الإيراني، وبات يجذب أكثر من 60% من السوريين الموجودين فيها، وغالبيتهم من مدينة حلب المحاذية لغازي عنتاب.

يتميز السوق السوري بتخصصه ببيع سلع سورية ويشهد من الصباح الباكر حتى الخامسة عصراً، إقبالاً وازدحاماً لا يقتصران على الطبقات الفقيرة. حينما تسأل علي وهو صاحب مطعم لبيع الفول عن سبب الإقبال الكثيف، يجيب بأن تدني الأسعار مقارنةً بنمط الأسواق التركية القريبة من النمط الأوروبي، هو السبب الجوهري، ويضيف ضاحكاً: "هنا السوري يستطيع أن يختار بلا إحراج، كون المساومة متاحة، وهي هواية سورية، الجميع يحبون أن يمارسوها".

السوق يقع بالقرب من مركز المدينة، ويعتبر من أشهر الأسواق الشعبية في غازي عنتاب على الإطلاق. أسماء المحالّ والمطاعم وكل شيء في السوق يذكر بالمكان الأم، ويعيدك إلى الأسواق السورية. يقول صاحب محل لبيع الحلويات اسمه محمد المعراوي: "هذا السوق أكتسب شهرته لأنه يقدم للسوريين كل ما يحتاجونه، من أطعمة وأدوات منزلية وكهربائية وحلويات، وكل ما يتعلق بالعادات السورية، بأسعار معقولة، وبنوعية جيدة أيضاً". يشعر زائر السوق ومحيطها بأنه يعبر مجسماً مصغراً لمدينة حلب.

أجواء سورية

المقاهي ازدهرت بدورها في غازي عنتاب، ولكن على الطريقة السورية. اختارت حي "غازي مختار" مكاناً لها، كونه يقع وسط المدنية ويسهل الانتقال منه وإليه. أحدها واسمه نهاوند، تقام فيه الأمسيات الغنائية والشعرية والنشاطات الثقافية المتنوعة. هذه النشاطات يتشارك فيها عدد من المقاهي السورية، وتحييها مجموعة من المثقفين والناشطين السوريين، في محاولة لجذب السوريين وتنظيم نشاطهم الثقافي والاجتماعي. جاءت هذه المقاهي رداً على بعض ممارسات مرتادي المقاهي التركية من الأتراك، التي تحمل سمات العداء والتمييز. تمييز يزداد مع مرور الوقت تجاه هؤلاء الوافدين إلى المدينة، الذين يغيّرون بعض معالمها.

التعليقات

المقال التالي