معالم مكة إلى زوال

معالم مكة إلى زوال

يقف الرجل السبعيني، أبو عبدالله، على إحدى مرتفعات مكة، مشيراً  إلى تلك الأبراج التي حلّت مكان الجبال المحيطة بالحرم المكيّ، والتي اشتهرت بها المدينة المكرّمة على مرّ الزمان. على غرار أبو عبدالله، يخشى الكثير من أهل مكة من تغيير معالمها نتيجة قيام ورش البناء التي شملت المناطق المحيطة بالحرم المكي وصولاً إلى العديد من الأحياء العشوائية التي أُدرجت ضمن خطط تطوير العاصمة المقدسة.

تشتهر مكّة المكرمة بجبالها وتتصف بأنّها منطقة جبلية. نظراً لكثرة هذه الجبال، نالت بعض منها العديد من التسميات، فهي إما منسوبة إلى أشخاص عاشوا عليها وإما لأحداث إسلامية وتاريخية وقعت بين جنباتها.

من هذه الجبال، نذكر جبل النور، وجبل أبو لهب وجبل الشراشف وغيرها من الجبال المعروفة والمشهورة في مكة والقرى التابعة لها. وقد سلّطت بعض الكتب التاريخية الضوء عليها، فاتضح أنّ "جبل النور" الذي يقع في شمال شرق المسجد الحرام يعود إلى ظهور أنوار النبوّة فيه، إذ كان النبي محمد يختلي هناك بنفسه لعبادة الله قبل بعثته للنبوّة.

وعلى مرّ التاريخ الإسلامي، عُنيت مكة المكرمة باهتمام خاص من  خلفاء المسلمين إذ تمّ ترميم الكثير من أبواب وجنبات المسجد الحرام إضافة إلى شقّ الأبار والعيون في الطرق المجاورة لمكة من أجل خدمة حجاج بيت الله.

في العصر الحالي، تحتلّ مكّة المكرمة سلّم أوليات الحكومة السعودية بفضل مكانتها في نفوس المسلمين ولكونها مقصداً للملايين منهم في مواسم العمرة والحج. فتمّ إنفاق المليارات من الريالات السعودية لتوسيع الحرم المكي على مرّ تاريخ ملوك السعودية حرصاً منهم على تأمين وسائل الراحة لقاصدي البيت المعمور. في حين حظيت باقي مناطق العاصمة المقدسة باهتمام ملحوظ في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله، لدرجة تحوّلت المدينة مقصداً لشركات المقاولات المحلية للعمل ضمن المشاريع التطويرية التي شملت الأحياء العشوائية في مكة.

في هذا السياق، قال أمين العاصمة المقدسة، الدكتور أسامة بن فضل البار، إن أولى محاور تطوير المناطق العشوائية لـ66 حياً في مكة المكرمة، ستبدأ بخمسة مشاريع كبرى لتطوير أحياء قوز النكّاسة، والكدوة، وحي الزهور، ومنطقة جبل الشراشف (سيتم البدء بها). وأشار البار إلى أن "جبل الشراشف" يقع في وسط مكة المكرمة، ويشتهر بضيق مساراته وكثرة وجود العمالة المخالفة لنظام الإقامة والعمل، وانتشار المساكن العشوائية في أسفل الجبل وأعلى قمّته بالإضافة إلى تنوّع المخالفات الأمنية والقانونية فيه وفي بقية الأحياء المستهدفة بالتطوير.

تعتبر منطقة "جبل الشراشف" ذات أولوية قصوى في أعمال التطوير بسبب قربها من الحرم المكي الشريف ووضعها العمراني المتدنّي. وسيتم تحويل المنطقة العشوائية القريبة من المسجد الحرام إلى مخطط عمراني متعدد الاستخدامات على مستوى عالمي، مما يسهم في تحسين النسيج الحضري العمراني لمكة المكرمة.

تبلغ مساحة جبل الشراشف ما يقارب 1.7 مليون متر مربع على بعد 500 متر من المسجد الحرام. يحدّ المنطقة من الشمال طريق الملك عبدالعزيز الموازي ومشروع جبل عمر، ومن الشرق شارع إبراهيم الخليل، ومن الجنوب تقاطع شارع إبراهيم الخليل وشارع جرهم، ومن الغرب شارع جرهم.

أعدّ استشاريون محليون وعالميّون الدراسات اللازمة للمشروع وسيتمّ في القريب العاجل إعلان مواعيد استقبال ملاك المنطقة للتدقيق في المستندات التي تثبت الملكية، أيّ البدء في التنفيذ الفعلي للمشروع.

وأكّد البار أن لجنة تقدير العقارات ستبدأ في تسعير نحو 12 ألف عقار لصالح مشروع تطوير حي "جبل الشراشف"، وهي المرحلة التي سيعقبها استقبال الصكوك الشرعية والمستندات. وبيّن أنن خطة تطوير جبل الشراشف تعتمد على إقامة خط دائري يلتفّ حول سفح الجبل بعد إزالة المناطق العشوائية، وإنشاء الفنادق والمساكن للحجاج والمعتمرين على جانبيه، على أن تكون نسبة السكان المحليين 30 بالمائة والموسميين 70 بالمائة، مشيراً إلى أن ظاهرة النمو العشوائي للتجمعات السكنية تُعدّ ظاهرة عالمية ولا تقتصر على مكة المكرمة فقط.

وأشار أمين العاصمة المقدسة إلى أن مشروع تطوير منطقة جبل الشراشف سيغطي حوالي 1.631.000 متر مربع تقريباً، بهدف تحويل المنطقة إلى مركز حضري حديث الطراز في العاصمة المقدسة. وأوضح أن المشروع يشمل مرافق فندقية وسكنية وتجارية ومراكز للبيع بالتجزئة إلى جانب مرافق تربوية وأخرى صحية وغيرها من الخدمات.

ينظر الكثير من أهل مكّة إلى تلك المشاريع بعين القلق لأنّها قد قضت على العديد من الجبال التي اشتهرت بها مكة المكرمة. وتواصلت التحذيرات من خطورة الطرق المعتمدة لازالة هذه الجبال. فقد رصد المركز الوطني للزلازل والبراكين عدداً من الهزّات الأرضية الناتجة عن تفجيرات جبال مكّة بطرق تقليدية تؤثّر على البنية التحتية.

في المقابل، كشف مساعد رئيس هيئة المساحة الجيولوجية السعودية للشؤون الفنية، الدكتور عبدالله محسن العطاس، عن وسائل آمنة يُمكن استخدامها في أعمال التفجير المدني في مكة المكرمة. توصلّت دراسات عدّة إلى خيارات وتقنيات حديثة لأعمال تهذيب وتفتيت الصخور في مدينة مكة، عبر آلية عمل للحد من إنطلاق الطاقة الناجمة عن التفجير المدني، التي تسبّب تكسيرات وتشققات تحت أرضية للصخور، فتحدث تغييرات ضمن مسارات النظام الهيدروليكي للمياه الجوفية الطبيعية.

في السياق ذاته، قال المهندس عبد الله بكر رضوان، عضو لجنة المقاولين في غرفة التجارة والصناعة في جدة، "إن ازالة العديد من جبال مكة هو أمر مثير للجدل نظراً لارتباطها التاريخي بمكة المكرمة على مرّ العصور ولكونها أحد أهم معالمها. إلا أن الشركات العاملة في مجال تطوير البنى التحتية، تتعامل مع هذا الأمر بحساسية بالغة من النواحي الهندسية والتنفيذية بالتنسيق مع الجهات الحكومية المشرفة على مشاريع تطوير العاصمة المقدسة، وتستخدم في الوقت نفسه أفضل التقنيات الهندسية لمنع أي تداعيات سلبية على البنية التحيتة لمكة المكرمة.

قد يعتبر خير مثال على ذلك تتويج برج الساعة كمعلم آخر لمكة المكرمة ليقف بجانب الأبراج المجاورة التي تعرف "بأبراج البيت"، إذ تميّزت تلك الأبراج بسمات الطراز المعماري الإسلامي وهي تحيط بالحرم المكي فيما بدأت جبال تتوارى خلفها.

لا شكّ أن أعمال البناء قد غيّرت معالم المدينة إلا أنّها أدّت أيضاً، بحسب المواطن أبو عبدالله، إلى "ارتفاع ملحوظ في أسعار الوحدات السكنية. فبات العديد من السكان يعرضون وحداتهم السكنية القريبة من الحرم المكي للإيجار للمعتمرين أو قاصدي الحرم المكي من الحجاج"، علّهم يستفيدون قليلاً من هذه التحولات الكثيرة التي طالت بنى مكة المكرمة التحتية خلال السنوات العشر الأخيرة.

معالم مكة إلى زوال - أبنية عالية

إبراهيم نافع

صحافي إيريتري مقيم في السعودية. عمل محرراً للأخبار السياسية في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، ويعمل حالياً في صحيفة عرب نيوز الناطقة باللغة الإنجليزية.

التعليقات

المقال التالي