هل يخسر مانشستر يونايتد هويته تحت قيادة فان غال؟

هل يخسر مانشستر يونايتد هويته تحت قيادة فان غال؟

عندما أعلن السير أليكس فيرغسون Ferguson في 8 مايو 2013، أنه سيعتزل التدريب في نهاية الموسم ويضع حداً لمسيرته مع مانشستر يونايتد Manchester United، تأكد لعشّاق الشياطين الحمر أن مسرح الأحلام الذي شهد تحقيق العجوز الإسكتلندي إنجازات غير مسبوقة وهو يمضغ علكته على دكّة الاحتياط، قد ولّى إلى غير رجعة.

موسم واحد فقط كان كفيلاً ليؤكد مخاوف الجميع، إذ لم يستطع مويس Moyes الذي أصبح اختياره كخليفة "أسوأ قرار" يتخذه السير عبر تاريخه الطويل، سوى أن يحطم أسوأ الأرقام القياسية ويقود الفريق إلى المرتبة السابعة التي حرمته التأهل إلى دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى بعد 18 موسماً على التوالي.

بعد هذه الصدمة العنيفة، فإن صرحاً رياضياً بحجم مانشستر يونايتد على الصعيد الرياضي والاقتصادي، يحتاج إلى عملية نوعية تعيده إلى الواجهة بالسرعة القصوى، وذلك في محاولة لتجنب الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي ستبدأ بضرب أساسات النادي المرهونة بديون عائلة غلايزر Glazer، إلى جانب الخوف من التجربة الليفربولية التي تدخل عامها الخامس والعشرين دون إحراز لقب الدوري.

وضعت إدارة النادي خطة للعودة السريعة. وعلى الرغم من أن الخطة لاقت انتقادات واسعة من أبناء النادي الذين قالوا إنها تنسف الهوية البريطانية التي تميز بها أبناء أولد ترافورد، فقد لاقت ترحيباً شديداً من الجماهير التي رأت فيها ضرورة لمواكبة الأندية الأوروبية الكبرى، كما أن أحداً لم يعد يهتم إلا بما تدرّه البطولات من أموال بعيداً عن الهوية والطريقة والإرث التاريخي.

إذا ما احتسبنا خوان ماتا Mata كصفقة من الموسم الجديد كونه كان تعاقداً إسعافياً منتصف الموسم الماضي، فإن اليونايتد تعاقد مع سبعة لاعبين من العيار الثقيل ستة منهم من خارج بريطانيا، فيما كان لوك شاو Shaw الاستثناء الوحيد، مع استبدال المدرب البريطاني مويس، بالهولندي الصارم لويس فان غال Van Gaal.

مقابل استقدام ماتا، دي ماريا Di Maria، فالكاو Falcao، روخو Rojo، بليند Blind، هيريرا Herrera، وشاو، استغنى الشياطين عن 20 لاعباً دفعة واحدة، سواء عن طريق الإعارة أو البيع أو الاعتزال، والأهم أن نصفهم من اللاعبين البريطانيين 7 إنكلترا-2  ويلز- 1 إيرلندا.

download (7)

أدّى هذا السوق الذي يعتبر الأكثر تكلفة في تاريخ النادي، بعد أن أشرف المدير التنفيذي إد وودوارد Woodward على إنفاق 237 مليون دولار (استعاد منها 42 من خلال بيع بعض اللاعبين)، إلى بضعة انتقادات خرجت من أبناء النادي الذين شاركوا في كتابة تاريخه المرصع بالألقاب خلال العقدين الماضيين.

شكّل بيع المهاجم الإنكليزي الشاب داني ويلباك Welbeck الذي بدأ حياته الكروية في مدرسة النادي عندما كان في التاسعة من عمره، المأخذ الأبرز حيال السياسة الجديدة للإدارة. قال مايك فيلان Phelan، مساعد السير في السنوات الخمس الأخيرة مع الفريق، تعليقاً على تغيّر سياسة اليونايتد في السوق، إن الإدارة تنحرف عن طريق مانشستر المعروف، فعوضاً عن إنتاج اللاعبين بدأت بشرائهم بمبالغ ضخمة، كما أن بيع الإنكليزي ويلباك، وهو جزء من هوية النادي، يعني أن هذه الهوية أصبحت محطمة.

جارت آراء نجوم اليونايتد السابقين رأي مساعد مدربهم السابق، فقال بيكهام Beckham إنه حزن كثيراً لرؤية ويلباك يغادر النادي خصوصاً أن صلته به جيدة ويلعب معه منذ الصغر، كما أشار إلى أن النادي في حقبة السير كان يعتمد على أفراد الكشّافة لجلب المواهب الشابة، في دلالة منه على غياب هذه السياسة والانتقال إلى شراء النجوم بمبالغ كبيرة.

تصريح النجم بول سكولز Scholes جاء أقسى من سابقيه، إذ أكد أن من الخطأ بيع ويلباك كونه شاباً صغيراً في السن وقابلاً للتطور على المدى البعيد، كما أنه لم يمنح الفرصة الكافية بعدُ لإثبات قدراته. أما النجم الآخر غاري نيفيل Neville فعبر عن استغرابه من بيع ويلباك مؤكداً أنه يستحق مكاناً في الفريق، عد أنه يساوي أكثر من المبلغ الذي دفع فيه (26 مليون دولار).

خلال 27 عاماً من قيادة اليونايتد، تعاقد السير أليكس مع 67 لاعباً أجنبياً فقط، من أصل 99 عملية شراء قام بها، إلى جانب أبناء النادي من اللاعبين البريطانيين الذين تعلّموا فنون الكرة في مدرسة زعيم إنكلترا، وكان أبرزهم أطفال 1992 (بيكهام- الأخوين نيفل- سكولز– غيغز Giggs– بات Butt) الذين قادوا الشياطين الحمر فيما بعد إلى المجد الإنكليزي والأوروبي.

وبحسب الأرقام السابقة، فإن معدّل تعاقد السير مع اللاعبين الأجانب بلغ 2.4 في الموسم الواحد، وبعد رحيله بموسمين تحولت النسبة إلى 3.5 في ازدياد وصل إلى 50% تقريباً، وهي النسبة المرشحة للارتفاع أكثر في فترة الانتقالات الشتوية المقبلة، الأمر الذي يظهر حجم التحوّل الكبير خلال فترة قصيرة من رحيل السير.

في المباراة الأخيرة لليونايتد أمام كيونز بارك رينجرز QPR.FC، تواجد في التشكيلة الأساسية ثلاثة لاعبين بريطانيين فقط (بلاكيت Blackett– إيفانز Evans– روني Rooney)، فيما تواجد لاعبان آخران على دكة الاحتياط (فليتشر Fletcher-شاو ).

وبالعودة إلى الفترات الذهبية التي شهدت تحقيق أبرز الإنجازات على يد السير أليكس، نجد أن الفريق الذي فاز بنهائي دوري الأبطال عام 1999 على حساب بايرن ميونخ Bayern Munich، ضمّ 6 لاعبين بريطانيين في تشكيلته الأساسية كان من الممكن أن يكونوا 8 لولا غياب الأساسيين سكولز وكين Keane بسبب الإنذارات، إلى جانب وجود 5 آخرين على دكة الاحتياط.

download (8)

السير عاد، بعد غياب 9 أعوام عن النهائي، بعدد البريطانيين نفسه في التشكيلة الأساسية (مع 3 احتياطيين أيضاً)، التي فاز فيها على تشلسي Chelsea ليتوّج بلقبه الثالث. في الموسم التالي خاض السير نهائي الأبطال أمام برشلونة Barcelona بخمسة بريطانيين أساسيين، واثنين في الاحتياط، وبعد موسم من الغياب عاد الفريقان لخوض نهائي العام 2011 الذي دخله السير بأربعة بريطانيين في الملعب وأربعة على الدكة. خاض المدرب الإسكتلندي إذاً خلال أربع سنوات ثلاثَ نهائيات لدوري الأبطال بتشكيلة قوامها بريطاني، مع الإشارة إلى أنه حقق لقب الدوري الإنكليزي ثلاث مرات خلال السنوات الأربع نفسها، في مثال واضح وصريح على ما حققه اللاعبون البريطانيون بقيادة السير دون الحاجة إلى الغوص في الماضي.

ربما يحزن بعض عشاق مانشستر يونايتد لتغيّر الإرث الذي خلفه السير أليكس بهذه السرعة، وقد يرضخون للتطورات الجديدة التي يفرض اسم اليونايتد الكبير التعامل من خلالها في ظل المنافسة الشديدة واتساع رقعتها المحلية والأوروبية، إلا أنهم بلا شك سيتقبلون هذا التحول بصدر رحب عندما يعلمون أن فريقهم الآن هو صاحب المرتبة الأولى في نسبة الاستحواذ على الكرة في الدوري الإنكليزي (62%)، وصاحب أعلى نسبة تمريرات دقيقة أيضاً (91%)، وأن دي ماريا قدّم نفسه وريثاً شرعياً للرقم 7 الذي حملته أساطير النادي، وأن فالكاو نجم الهجوم الجديد سجل 104 أهداف خلال 139 مباراة خاضها مع فرقه السابقة، وأن القادم الجديد بليند هو أفضل لاعب في الدوري الهولندي الموسم الماضي.

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

التعليقات

المقال التالي