بطل العالم في كرة القدم بلا مهاجم

بطل العالم في كرة القدم بلا مهاجم

عندما أطلقت الجماهير الألمانية صافرات الاستهجان ضد ماريو غوميز Gomes في المباراة الودية الأخيرة أمام الأرجنتين، تأكد الجميع أن اللاعب أضاع الفرصة الأخيرة التي منحته إياها الأمة المتوجة بكأس العالم قبل أسابيع، لتسدل الستار بعد ذلك على باب "رأس الحربة" الذي أغلقه الهداف التاريخي كلوزة Klose، والذي لا يبدو أن أحداً سيستطيع فتحه قريباً.

وعلى الرغم من رفضه لصافرات الاستهجان ضد غوميز الذي أصبح بانتقاله إلى فيورينتينا Fiorentina صاحب ثالث أعلى راتب في الدوري الإيطالي (5.5 مليون دولار)، فإن المدرب الألماني لوف Löw رضخ للضغوط، أو لنقل لتواضع مستوى اللاعب مع المنتخب قبل وبعد الإصابة التي شفي منها، وركنه على دكة الاحتياط مفضّلاً العودة إلى خطّة رأس الحربة الوهمي عبر الزج بغوتزة Gotze في خطّ المقدمة.

يملك المنتخب الألماني عبر تاريخه الحافل بالإنجازات عدداً كبيراً من الهدافين الذين تركوا بصمات لا تنسى في ميادين كرة القدم الأوروبية والعالمية، ولعل وجود أربعة لاعبين في قائمة أفضل عشرة مسجّلين في تاريخ المونديال، خير دليل على ذلك.تصدّر القناص كلوزة قائمة الهدافين التاريخيين للمونديال برصيد 16 هدفاً، ويحل البومبر غيرد مولر Müller في المرتبة الثالثة (14)، ويأتي القائد والمدرب السابق للمنتخب كلينسمان Klinsmann في المرتبة السادسة (11)، فيما يحل كل من هيلموت ران Rahn وتوماس مولر في المرتبة الثامنة (10)، على الرغم من كونهما يلعبان في خط الوسط.

وأمام هذه الأرقام، لا يجد العاشق الألماني سوى أن يصب جام غضبه على غوميز، والصورة الأولى التي تتبادر إلى ذهنه هي تلك الفرصة المجنونة التي أضاعها أمام النمسا في الدور الأول من يورو 2008، ليكمل البطولة دون أي هدف.

وفي كأس العالم 2010 لم يتمكن غوميز (هدّاف الدوري الألماني آنذاك) من كسب ثقة لوف، فاقتصرت مشاركاته كبديل لدقائق معدودة لم يستطع خلالها تسجيل أي هدف، كما لم تشفع أهدافه الثلاثة في الدور الأول من يورو 2012 لإزاحة كلوزة عن المركز الأساسي على الرغم من تقدمه في السنّ، أو لضمان مقعد في طائرة المنتخب المسافرة إلى المونديال البرازيلي.

وبعيداً عن المستوى المتواضع الذي قدمه غوميز خلال مسيرته مع المنتخب (60 مباراة- 25 هدفاً)، فإن بلوغه سن الثلاثين في العام المقبل سيجعل من الصعب عليه تقديم مستويات أو أرقام تضعه في خانة عمالقة الهجوم الألماني.

مشكلة المانشافت الذي بدأ يدقّ ناقوس الخطر قبل اعتزال كلوزة بسنوات لم تقتصر على غوميز فقط، بل إن المدرب لوف جرب الكثير من اللاعبين واتخذ العديد من القرارات المثيرة للجدل، دون أن يستطيع إيجاد البديل المناسب لمحطم أرقام الظاهرة رونالدو.

بعد اعتزال أوليفر بيرهوف Oliver Bierhoff (عام 2002) آخر الأسماء اللامعة في الهجوم الألماني، بدأت عملية البحث عن مهاجم يساند الشاب كلوزة الذي قدم أوراق اعتماده كنجم بتسجيله 5 أهداف في المونديال الآسيوي، فظهر برفقة المدرب فولر Völler كل من كيفين كوراني Kurányi وبودولسكي Podolski، قبل أن يغيب الأول عن تشكيلة المونديال الألماني، ويفوز الثاني بجائزة أفضل لاعب شاب، ثم يتحول بعد ذلك تدريجياً من مهاجم إلى لاعب وسط هجومي، ويبتعد عن رأس الحربة.

بالتزامن مع الأسماء المذكورة، مرّ على المنتخب (في حقبة لوف- كلينزمان) مرور الكرام كل من مايك هانكه Hanke وباتريك هيلمس Helmes وشتيفان كيسلينغ Kießling ويان شلاودرف Schlaudraff، إلا أن أياً منهم لم يقدم ما يشفع له بحجز مكان أساسي، أو لم ينل الفرصة الكاملة في بعض الأحيان.

وبعيداً عن مستوى مايك هانكه الذي لم يسجل سوى هدف واحد في 12 مباراة، وعن هليمس الذي أرهقته الإصابات (13 مباراة- هدفان)، لعب كوراني 52 مباراة سجل فيها 19 هدفاً، قبل أن يغادر بعثة المنتخب عام 2008 غاضباً، إثر استبعاده من التشكيلة التي ستواجه روسيا ضمن تصفيات كأس العالم 2010، ليقرر المدرب لوف على خلفية هذا التصرف حرمانه من العودة إلى المنتخب مجدداً. أما كيسلينغ الذي لم يلعب سوى 6 مباريات دولية، فقد أعلن رفضه العودة إلى المنتخب تحت قيادة لوف الذي تجاهله كثيراً على الرغم من إحرازه لقب هداف الدوري الألماني موسم (2012-2013).

في ظل هذه المعطيات توجه لوف إلى مونديال البرازيل واضعاً نصب عينيه اللعب بخطة المهاجم الوهمي التي صنعت نجاحات المنتخب الإسباني، المثل الأعلى الذي يتحدث عنه في كل تصريحاته.

وراهن لوف على نجاح خطته بتألق هدّاف كأس العالم 2010 توماس مولر، إلى جانب عدد لا يستهان به من نجوم خط الوسط الذين انقسموا بين المبدعين في المدرسة البافارية (شفاينشتايغر Schweinsteiger- غوتزة- كروس)، والمتطورين في المدرسة الإنكليزية (أوزيل- شورله- بودولسكي)، مع وجود الجوكر العجوز كلوزة الذي سيضمن نجاح الخطة البديلة دائماً.

لم يدرك لوف أن خطة التيكي تاكا والمهاجم الوهمي الإسبانية التي تم تدميرها بواقعية ألمانية قاد فيها يوب هاينكس Heynckes بايرن ألمانيا لهزيمة برشلونة إسبانيا بسباعية، لم تعد تلك الخطة التي يمكن للمدرب أن يعتمد عليها بشكل كامل للوصول إلى الألقاب، إلا أنه أصر على المغامرة.

في المباراتين الوديتين الأخيرتين قبل المونديال، لعب لوف دون رأس حربة صريح وبمهاجمين وهميين هما غوتزة ومولر، فعانى في الأولى أمام الكاميرون (2-2)، وانتصر على خصم ضعيف (أرمينيا) بسداسية في الثانية.

مع بداية المونديال ضرب لوف منتخب البرتغال المتهالك برباعية نظيفة وبخطة خلت من رأس الحربة الأصيل، استعاض عنه بمهاجمين وهميين هم أوزيل ومولر وغوتزة، لتزيد هذه النتيجة من تفاؤل المدرب بنجاح أفكاره.

لم يستغرق الرد طويلاً على مدى نجاعة الاستمرار بهذه الخطة على مدار البطولة، إذ عانى المنتخب الألماني الأمرين أمام غانا وخرج متعادلاً بعد أن استبدل لوف المهاجم الوهمي بآخر صريح، عبر الدفع بالمنقذ كلوزة الذي منح المانشافت بهدفه نقطة التعادل.

أصر لوف على العودة إلى خطته في المباريات التالية، فخرج بفوز صعب جداً (1-0) أمام الولايات المتحدة، ودفع ثمناً باهظاً من الجهد أمام الجزائر في ثمن النهائي (2-1)، قبل أن يستسلم لضغوط البطولة ويعود إلى الخطة الكلاسكية الألمانية (4-2-3-1) التي مكنته من اجتياز فرنسا واكتساح البرازيل والفوز على الأرجنتين في النهائي، ومنح كلوزة لقب الهداف التاريخي.

قد يشكل الهدفان اللذان سجلهما مولر في أولى مباريات التصفيات الأوروبية دافعاً جديداً ومبعث تفاؤل لاستمرار لوف في خطة المهاجم الوهمي، إلا أن منتخباً بحجم أبطال العالم ومع الإرث التاريخي الهجومي الكبير، سيحتاج عاجلاً أم آجلاً إلى رأس حربة يزيح عن كاهل مولر الصغير حملاً ثقيلاً لن يستطيع تحمله وحده. من المهاجمين الصاعدين الذين يُتوقع أن يعتمد عليهم لوف في المستقبل القريب، في محاولة لتعويض كلوزة، ماكس كروزة Kruse من بروسيا مونشنغلادباخ Borussia Mönchengladbach (لعب 6 مباريات دولية وسجل هدفاً واحداً)، كيفين فولاند Volland من هوفينهايم Hoffenheim (مباراة دولية واحدة)، بيير لاسوغا Lasogga من هامبورغ Hamburg ودافي سيلكه Selke من فيردر بريمن Werder Bremen.

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

التعليقات

المقال التالي