تقاليد المهر الحديث: ثمن للفتاة أم طريقة لحماية مستقبل البنات في حال الطلاق؟

تقاليد المهر الحديث: ثمن للفتاة أم طريقة لحماية مستقبل البنات في حال الطلاق؟

من الأخبار المثيرة للانتباه تلك التي ترد من كواليس الوسط الفني. مهور بعض الفنانات تتخطى ملايين الدولارات أحياناً. كما أنهن يتسابقن إلى تسريب الأخبار عن قيمة مهرهن، باعتبار أن ارتفاع المهر يزيد من قيمتهن، على الأقل في الوسط الفني.

الفنانات قد يكنّ نموذجاً "يُقتدى" في اللاوعي الاجتماعي والشعبي لفئة من الناس. هنّ عبارة عن ثقافة المهر في العالم العربي، التي تبدلت بين الماضي والحاضر، ولكنها بقيت مرتبطة في عيون من يؤيدونها ومن يرفضونها، بتحديدها لـ "قيمة" المرأة. لا يمكن وضع معيار محدد لثقافة المهر، فهذه الكلمة "مطاطة" تختلف وقائعها ميدانياً.

لا شك أن الجميع ينصاع لتقليد المهر في العالم العربي والاسلامي، سواءً بشكل رمزي أو بطريقة فاحشة، سواء أكان العرسان من طلاب الجامعة الأميركية في بيروت أو من أبناء العشائر البدوية، ولكنه يفرض نفسه بشكل أساسي في لحظة الخلاف بين الزوجين وعند طلب الطلاق. حينها فقط، تظهر الأمور بشكلها الجلي.

سارة أحبّت شاباً لعشر سنوات وتزوجت تبعاً لتقاليد مجتمعها ودينها على مهر قدره 25 ألف دولار. لم تكن تفكر في لحظة زواجها بالمهر أو ما شابه، ولكن وجود عائلتها وعائلة العريس كشهود فرضه ضمن المعادلة. حين سألها الشيخ عن المهر، أجابت سارة: "ليس مهماً"، ولكن سرعان ما تدخلت والدتها ووالد العريس معترضين: "هذا حقك، لا يجوز التفريط به".

انصاعت لرغبات الأهل حينها. ولكن زواجها لم يستمر لأكثر من عشرة أيام، حين اكتشفت أن زوجها يخونها. أمام هذا الواقع الجارح تخلّت له عن كل شيء، وعادت إلى منزل عائلتها. كانت تريد الخلاص، لا المهر. تقول في قرارة نفسها إن أخْذَ المهر الذي هو "حقها" إهانة لها، فهي ترفض أن تأخذ شيئاً من الشخص الذي خانها.

محمود شاب مسلم تزوج من فتاة مسيحية إسمها ريتا عن طريق ما يعرف بزواج "الخطيفة". حين تمّت المصالحة بين عائلتيهما، وافقت عائلة ريتا على إتمام الزواج على الطريقة الإسلامية. كان قلق العائلة الأساسي يتمحور حول فكرة أن المسلم يستطيع أن ينهي ارتباطه بزوجته ببساطة عبر كلمة "أنت طالق"، من دون أن يردعه شيء. أمام هذا التخوف، لجأ محمود إلى كتابة مهر برقم خيالي لريتا حتى يطمئنها إلى أنه لن يفكر في الطلاق يوماً. لاحقاً، قال له صديقه ممازحاً: "إن الذي يريد أن يطلق زوجته، يكفي أن يصفعها فتترك له كل شيء"، في إشارة إلى أن الزواج لا يسنده المهر.

لا يمكن وضع المهر في إطار نمطي محدد، لكن ما يمكن قوله إنه تقليد "متخلف" بقي ساري المفعول بأشكال جديدة و"حداثوية". قد يعود اختلاف عادات الزواج بين اليوم والأمس إلى زمن العولمة وطوفان الإنترنت وانفتاح الشبان والشابات على بعضهم البعض.

مع أن المبرر الموضعي لتقليد المهر انتهى، جراء تبدل أنماط الحياة ودخول المرأة مجالات التوظيف والعمل واستقلاليتها التامة أحياناً، لكن المهور ما زالت حاضرة بقوة وأكثر من الماضي. تبدلت أنماط الحياة لكن المجتمع العربي ما زال يتبع تقليد المهر كطريقة لحماية مستقبل البنات في حال الطلاق، وبات ارتفاع المهر في بعض المناطق سبباً من الأسباب الأساسية للعنوسة.

رغم تصنيف قرى محافظة أسيوط المصرية على أنها تعيش تحت خط الفقر، لكنهم يشتهرون بوضع أسعار مرتفعة لمهور الزواج، ولهذه الأسباب سجلت أسيوط الحد الأقصى في نسبة العنوسة عربياً. أسيوط هي نموذج عابر عن مصر التي تعاني بشكل عام من أزمة زواج وفقر، وهي مثل كثير من البلدان العربية التي ما تزال بعض مناطقها محكومة بالعادات والتقاليد والأعراف.

في موريتانيا، مثلاً، يرى المهتمون بقضايا الزواج، المهر، ما يدفعه الزوج إِلى زوجته بعقد الزواج، ويسمونه في اللغة الدارجة "المقدم والمؤخر" أو "المعجل والمؤجل" أو "البند الجزائي" بحسب القانون، يعتبر من التقاليد المتعارف عليها، وتأتي أهميته من كونه ليس مجرد جانب أساسي في الزواج فقط، بل يرتبط بقيم اجتماعية وتقليدية في مختلف البلدان العربية وحتى الأديان من الإسلام إلى الأيزيدية.

ماذا عن الشرع الإسلامي؟

لم يضع الشرع الإسلامي حداً لأقل المهر وأكثره، والمعيار في ذلك قدرة كل رجل واستطاعته. على أن الإسلام رغب في تيسير المهور، واعتبر أكثر النساء يمناً وبركة، أقلهن مهراً. لا يقتصر هذا التقليد على سكان المنطقة العربية، أو أتباع ديانة واحدة، فلقد اتخذ أشكالاً عدة منذ العصور القديمة، من المهر الذي كان يعطيه أب الفتاة الى الزوج، إلى ذاك الذي كانت تعطيه عائلة الزوج الى عائلة الفتاة كشكرٍ لها على تربيتها. مع الوقت، احتفظ المهر في بلدان عدة بجزءه الأول فقط “المقدم”، على شكل هدايا يتم تبادلها بين الزوجين.

في الكويت

أن غلاء المهور أصبح يشكل العائق الحقيقي أمام الزواج، ويعود ذلك إلى عادات ذلك المجتمع الغارقة في المباهاة. ولا يختلف الأمر في الكويت، حيث رصدت إحدى الدراسات أن الفتاة الكويتية تفتخر بالمهر المرتفع، ما يقارب 75 في المئة من الفتيات يعتبرن أن قيمة المهر تحدد إتمام الزواج أو إلغاءه. وإذا كان بعض الآباء في القبائل في السعودية يرفضون استلام مهر من الشباب المتقدمين للزواج من بناتهم، بل ويعرضون التكفل بجميع مصاريف تجهيز العروس والاحتفال، إكراماً للشاب ذي الخلق الحسن، الا أن بعض الفتيات يرفضن الزواج "بثمن بخس"، بل ويرين أن ذلك يقلّل من قيمتهن لدى الأزواج. لا نستغرب في هذا الزمن أن نقرأ خبراً يفيد بأن مجموعة من الشبان اليمنيين تظاهروا مطالبين بخفض سعر المهر في بلدهم.

في اليمن

في اليمن، أيضاً، هناك نموذج زواج يُسمّى "الشغار" (البدل)، ويقابله في المجتماع الكردية "البرديل" (المقايضة)، حيث يقوم شابان بمقايضة شقيقتيهما، ويكون المهر مقابل المهر، لكن إذا انتكس زواج أحدهما، ينتكس زواج الآخر.

سوريا ولبنان

ثمة أنواع من المهور باتت موضع تنديد وسخرية من المجتمع، ففي إحدى القرى السورية النائية يتقاضون المهر كأنه ثمن للفتاة، التي يتبدل "سعرها" بحسب عمرها وجمالها. والمهر ليس قيمة رمزية تقدم لها، بل يذهب إلى والدها أو شقيقها أو والدتها. لم يتردد بعض البقاعيين اللبنانيين الذين تعثروا بالزواج من لبنانيات، بالذهاب الى تلك القرية السورية والزواج مقابل مهر زهيد. هذا السلوك في تقاضي مهر النساء بات موضعَ تنديد من المجتمع ومحصوراً بفئة ضئيلة من الناس.

هذه هي نظرة المجتمع إلى المهر اليوم. تتراوح بين اتباع التقليد ولغة المباهاة السائدة بين العوائل والعشائر، وبين من يتمردون عليها وعلى ثقافة الزواج بشكل عام، ويعتمدون المساكنة في تحدّ معلن للتقاليد القديمة، خصوصاً في المدن.

التعليقات

المقال التالي