التنوع اللغوي والثقافي لم يهدّد الوحدة المغربية

التنوع اللغوي والثقافي لم يهدّد الوحدة المغربية

يتميّز المغرب، على الرغم من أن لغته العامية مستنبطة من اللغة العربية، بتنوّع وتعدد لغوي وثقافي مهمّ ينعكس باعتراف الدستور المغربي الجديد، الصادر سنة 2011، باللغتين الأمازيغية والحسانية (التي يتكلم بها سكّان جنوب المغرب). يرى أحمد بوكوس، عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، أن "المغرب تبنّى خياراً لا رجوع عنه لبناء الديمقراطية على أساس الاعتراف بالتعددية". وأضاف "أن الدستور المغربي لعام 2011 فتح أبواباً غير مسبوقة للنهوض باللغتين العربية والأمازيغية وإرساء آليات التكامل بينهما، في إطار سياسة ثقافية ولغوية متوازنة ومنصفة".

عوامل ودوافع التنوع اللغوي والثقافي في المغرب

يُعتبر المغرب من الدول المغرقة في القدم، أو ما يمكن نعتها بالدولة الألفية. فبحسب الباحث المغربي محمد شقير، في كتابه "تطور الدولة المغربية"، "لا تقلّ الدولة المغربية كثافة تاريخية عن الدولة الصينية ضمن المنظومة الكنفشسية، والدولة الهندية ضمن المنظومة الهندوسية، أو عن الدولة الغيرانية ضمن المنظومة الفارسية، أو الدولة المصرية ضمن المنظومة الفرعونية".

يشكّل الموقع الجغرافي للمغرب، في الشمال الغربي للقارة الإفريقية، عاملاً مهماً في تنوّع موروثه اللغوي والثقافي، فتجعله مسافة 13 كيلومتراً التي تفصله عن أوروبا من الدول الإفريقية الأكثر قرباً للعالم الغربي. وكان ولا يزال هذا المعطى الجيوستراتيجي يمثّل تأثيراً كبيراً على النسيج الاجتماعي المغربي.

أمّا العامل التاريخي فيتجلّى في فريقَين من الباحثين في المغرب يختلفان حول تحديد نقطة بداية تاريخ الدولة المغربية. يرى الفريق الأول بأن ميلاد الدولة المغربية يجب أن يؤرخ مع الأمازيغ باعتبارهم سكّان المغرب الأوّلين. ويؤسس الفريق الثاني الدولة المغربية مع دخول الإسلام، من طرف إدريس الأكبر مؤسس الدولة الإدريسية.

وإذا جمعنا رأي الفريقين، فسنجد أن المغرب تداول عليه قبل دخول الإسلام كل من البورغواطيين والفنيقيين، والقرطاجيين، والرومانيين والموريتانيين. وبعد الإسلام، تداول على الحكم كل من الأدارسة والموحدين والمرابطين والسعديين والعلويين (يحكمون إلى اليوم).

وتؤكد الدراسات أن الأمازيغ، بصفتهم سكان المغرب الأولين، تفاعلوا مع الشعوب التي تداولت على المغرب، مثل البيزنطيين والفينيقيين والرومان. وعلى الرغم من ذلك، حافظوا على لغتهم الأمازيغية.

يرى الفريق الثاني من الباحثين أن التنوع الثقافي واللغوي الحقيقي برز مع تأسيس الدولة الإدريسية ومعها كان دخول الإسلام، وبعدها دخول الاستعمار الفرنسي والإسباني إلى المغرب. ويتّضح أن كل هذه الروافد التي نهلت منها الثقافة واللغة المغربيتان، لم تنل من الثقافة واللغة الأمازيغية. بل على العكس من ذلك فقد تم السمو بهذه اللغة، من خلال إدراجها في الدستور إلى جانب اللغة العربية واللغة الحسانية.

تجلّيات التنوع اللغوي والثقافي

تبعاً لما سبق ذكره، يتميّز المغرب بتنوع قبائلي ومجتمعي. ورغم هذا الاختلاف، لم يشهد المغرب اختلافاً في القومية، إذ ظل وفيّاًّ لمبدأ الوحدة. يعجّ الشمال المغربي بسكان الريف الذين يتكلمون الريفية، وهي لغة أمازيغية. وفي الشرق، تتميز هذه المنطقة بانتشار القبيلة الزناتية، ولهجتها عامية عربية. وباللهجة نفسها يتكلم سكّان الوسط الغربي. فيما الجنوب المغربي الذي ينطلق من مدينة مراك باتّجاه المدن والأقاليم الجنوبية وصولاً إلى مدينة الكويرة، المتاخمة للحدود مع دولة موريتانيا، فتتنوع اللهجة بين العامية والأمازيغية والحسانية.

يُلاحظ اختلافٌ كبيرٌ بين مناطق المغرب حول تسمية الشيء نفسه، فمثلاً في الشمال يسمّون البرتقال "لارانج" وهي تسمية مقتبسة من الإسبانية "la raranja"، فيما سكان مناطق الوسط والجنوب يطلقون على هذه الفاكهة اسم "الليمون" أو "لورانج"، بالنسبة لوسط المغرب، لارتباطهم ببعض من الثقافة الفرنسية. أما "الملعقة"، فيسميها سكان الشمال والجنوب "كوتشارا" وهي تسمية إسبانية "Cuchara". وإذا كان جلّ المغاربة يقولون الخبز فإن الأمازيغ يسمّونه "أغروم".

بالإضافة إلى ذلك، يلمس اختلافاً مهماً بين السكان، سواء على مستوى اللهجة المتداولة، وكذلك العادات في اللباس والطبخ والفن، مما يؤكد غنى المغرب من حيث التنوع الثقافي واللغوي.

يُعدّ حفل الزفاف عنواناً للاختلاف بين مناطق المغرب. يسجّل الزفاف أو ما يطلق عليه بـ"العرس" تقارباً بين المناطق من حيث الإعداد القبلي. إلا أنّه يختلف من حيث التنظيم ومدة إقامته.  فتستمرّ في المناطق البدوية والجنوبية الاحتفالات بالزفاف على مدار أسبوعين، في حين يستغرق الزفاف في باقي المناطق المغربية، وخاصة المدن، يومين. وحالياً، أصبح يقام في ليلة واحدة بدعوة الرجال والنساء من كلتا العائلتين والأقارب بسبب غلاء مصاريف حفل الزفاف.

في ما يتعلّق بالعادات والتقاليد، يرى محمد الكتاني، عضو أكاديمية المملكة المغربية، أن "العادات والتقاليد تشكّل جزءاً من الهوية المغربية وتحقق التجانس الاجتماعي داخل إطار ثابت من المؤسسات الاجتماعية كاللغة والعقيدة والقانون".

باختلاف ثقافتهم وحتى لهجاتهم، يتوحّد المغاربة في زي مغربي أصيل هو الجلباب للرجل والقفطان للمرأة. إلا أنّ هذه العادة من اللباس غير موجودة في الأقاليم الجنوبية للمغرب، وخاصة الصحراوية حيث تفضل المرأة لباس يدعى "الملحفة"، و"الدراعية" للسيدات.

آليات ووسائل الحفاظ على التنوع

طالما اعتبر موضوع التنوع اللغوي والثقافي في المغرب من المسائل المحرم التحدث عنها. لكن، بعد صدور إعلان اليونسكو العالمي عام 2001 حول التنوع الثقافي، بدأ يطفو على سطح النقاشات السياسية والثقافية موضوع التنوّع الثقافي واللغوي، وواكب ذلك مجموعة من الآليات والتجليات للحفاظ عليه.

قبل إعلان اليونسكو حول التنوع الثقافي، تأسس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغيةفي أكتوبر عام 2001. ساهمت هذه المؤسسة، في رأي عدد من الباحثين، في إزالة "تابو" النقاش في شأن التنوع اللغوي والثقافي وخاصة اللغة الأمازيغية. وجاء المعهد  ليؤكّد الاعتراف العالمي بهذا التنوع. ثمّ جاء الدور على الحرف الأمازيغي، فتم الاتفاق على حرف "تيفناغ" لكتابة اللغة الأمازيغية.

في سياق آخر، انتظر الأمازيغ زهاء تسع سنوات بعد تأسيس المعهد الأمازيغي، لإطلاق أول قناة فضائية باللغة الأمازيغية: "تمازيغت". يقول محمد مماد، المدير المركزي للقناة، إنّ "القناة موجّهة إلى جميع شرائح المجتمع المغربي ومنفتحة كذلك على غير الناطقين بالأمازيغية".

إلى هذه القناة، أنشأت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة عام 2008 إذاعة خاصة بالأمازيغية. وخصصت مجموعة من الإذاعات الخاصة في المغرب برامج موجّهة للناطقين بالأمازيغية، وذلك تطبيقاً لدفتر التحملات، الذي تضعه الهيئة العليا للسمعي البصري بالمغرب. وساهم المعهد الملكي للأمازيغية بتشجيع الإصدارات الأمازيغية، بفضل نشر الدراسات والبحوث باللغات العربية والأمازيغية والفرنسية.

كما أن اللغة الحسانية لم تكن على هامش  الاهتمام الإعلامي إذ حظيت بميلاد قناة العيون عام 2004. وساهم هذا المولود الإعلامي، رغم بعض الانتقادات التي توجه إليه، في إشاعة الثقافة الحسانية في المغرب والتعريف به.

انعكس التنوع والاختلاف في اللهجات واللغة في الموروث الفني والثقافي حيث تتنوّع الأنماط الموسيقية والفنية بتنوّع تضاريس وجغرافيا المغرب. فنجد الموسيقى الأندلسية (طرب الآلة) والطرب الغرناطي وطرب اللحون وفن المديح والسماع وموسيقى عيساوة والفن الحمدوشي وفن أحواش وأحيدوس والدقة المراكشية والعيطة الجبلية وموسيقى كناوة والموسيقى الشعبية الحسانية والأمازيغية. على الرغم من هذا التنوّع، حذّر عددٌ من الباحثين من اندثار هذا المكتسب. قال عبد السلام الخلوفي، أستاذ مادة التراث الموسيقي المغربي ومعدّ برامج فنية، أن "التراث الإنساني بشكل عام والتراث الموسيقي بشكل خاص يتعرّضان في المدة الأخيرة لأبشع حملات التنميط والتهجين مطالباً بضرورة الحفاظ على هذا الإرث بفضل تدريسه في المعاهد وتوثيقه". ونلمس هذا التنوّع في مجالات المسرح والسينما حيث تنظّم مدينة أكادير مهرجان المسرح الحساني بالإضافة الى مهرجان سنوي للسينما الأمازيغية.

بحسب عالم الاجتماع كلود ليفي سترواس Claude Lévi-Strauss إن "التقاء الثقافات قد يؤدي إلى نتيجتين، إما إلى تصدع وانهيار نموذج أحد المجتمعات وإما إلى تأليف وتوالف أصيل"، وقد اختار المغرب النموذج الثاني في التوحد والتناغم رغم الاختلاف العرقي واللغوي والثقافي.

كلمات مفتاحية
الأمازيغ

التعليقات

المقال التالي