غزّة، صورة ما بعد الحرب

غزّة، صورة ما بعد الحرب

انتهت الحرب على غزّة تاركةً معالمها في كل مكان في القطاع، معالم واضحة في كل جوانبها المادية والمعنوية التي لم تغادر بعد ذاكرة من عاشوها. كانت النتيحة أن اتسعت فجوة الألم وزادت الخسارة أضعافاً عما كانت عليه في الحروب السابقة. تميزت أيضاً عن سابقتها بمدى التوثيق الإعلامي الذي كان مواكباً كل حدث وتفصيل هامشي. فكما كانت إسرائيل تراقب وتقصف من الجو وتبثّ صور القصف من طائراتها لمصلحة حربها الإعلامية، كان الفلسطينيون والإعلام العالمي والعربي على الأرض يوثّقون لقصف البيوت والمؤسسات ومعظم الأهداف.

لا يحتاج المتابع لمشاهد الدمار إلى إحصاءات ليعرف مقدار الخسارة التي خلّفتها الآلة العسكرية الإسرائيلية في غزّة. فمساحة التدمير الجغرافية وصور الدم التي كانت تبثّ مباشرةً، كان لها عنوان وحيد، خارطة الدمار. لم يخلُ يوم في الحرب من مقاطع الفيديو التي ترصد نهج إسرائيل في قصف المنازل والمؤسسات وحتى الأبراج، فأضحت النتيجة أرشيفاً بصرياً هائلاً في الذاكرة يروي هول الخسائر البشرية والمادية.

بعد أن تجاوزت العملية العسكرية الإسرائيلية الأسبوع الرابع وحلّت فترات التهدئة المؤقتة، بدأت كل الطواقم الصحفية الأجنبية بالرحيل عن قطاع غزّة، فانخفض مستوى التغطية الإعلامية لما كان يجري، وبقيت قلة قليلة بجانب الإعلام المحلي والعربي تعمل على الأرض. بعدما اشتدّ القصف وزادت وتيرة استهداف البيوت من قِبل إسرائيل، كتب المصوّر الصحافي لويس وايلد Lewis Whyld من غزّة أن الإعلام العالمي ترك غزّة وحيدة أمام وحشية إسرائيل. قام بعد انتهاء الحرب بالعمل على مشروع كامل من صور بزاوية 360 درجة تغطي المناطق المدمّرة في قطاع غزّة تحت عنوان "خريطة الحرب في قطاع غزّة" مع تحديد المكان الجغرافي على الخرائط. وهو سبق أن عمل على خريطة كاملة لأحداث الثورة المصرية عن طريق التصوير بزاوية 360 درجة.

download (17)

تحت عنوان “اكتشاف الدمار في غزّة”، عرض موقع النييورك تايمز The New York Times الإلكتروني وموقع وول ستريت جورنال Wall Street Journal خرائط مفصّلة للحرب، تظهر صوراً من الأقمار الصناعية لما كان الوضع عليه قبل الحرب وبعدها. في الخرائط المفصلة يظهر التفصيل الدقيق لمعنى مسح أحياء سكنية كاملة من الوجود وخروج الأمر عن نطاق كونه أرقاماً ونقاطاً حمراء لا أكثر بجانب آلاف القصص التي نشرت لمن نزحوا من بيوتهم وكبر خسارتهم.

download (18)

download (19)

من الحدود الشرقية لمدينة غزّة ومن على ركام البيوت المدمرة قامت وكالة ميديا تاون المحلية بتصوير جوي حقيقي لآثار الدمار بعد المعركة، فكان اللحن الجنائزي مكملاً للمشهد الذي تم مسحه فعلياً بسبب عمليات التوغل البري والقصف العشوائي لحي الشجاعية.

من جهتها قامت إسرائيل أيضاً بتصوير القصف الجوي للبيوت من أجل إستخدامها فيما بعد كمبرر لقصف الأهداف التي كان من ضمنها بيوت ومدارس ومستشفيات، وتأتي عملية التصوير الجوي كجزء لا يتجزأ من طبيعة العمليات العسكرية التي قد تستخدم كدليل ضد المحاكمات الدولية لقادة الحرب في إسرائيل وتبرير مساعيها في حماية جنودها رغم حقيقة الدم التي لا يمكن إلغاءها.

التعليقات

المقال التالي