جرثومة التخلف في مصر

جرثومة التخلف في مصر

مرتديةً الـ تايور وحجاب "شانيل"، حقيبتها من ماركة حذائها الفاخر "جوتشي"، ساعة يدها "الرولكس" وقلمها "المون بل"، كلّ ما عليها كان يشي بانتمائها الطبقيّ. إنها "داليا" أستاذة “المصريّات” في الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

ها هي "داليا" تعود إلى طلابها بعد أن أمضت عامين في بلاد الضباب، حيث نالت الدكتوراه. ما إن دخلت قاعة الدرس، حتى سبقتها رائحة عطرها الفرنسي. بدأت الحديث المعتاد، قبل أن تفاجىء طلابها قائلة إنها قبل السفر كانت عاشقة للآثار والتماثيل المصرية القديمة، واليوم بعد أن هداها الله بنوره إلى سواء السبيل، فقد علمت أن ذلك كله لا قيمة له. "خلاص، الكلام الفارغ ده خرج من قلبي الحمد لله"، هكذا أصبحت داليا ترى علم الاثار الذي تدرّسه لطلابها "كلام فارغ".

مرت الأعوام، ومياه كثيرة جرت أسفل النهر. في جلسة جمعتني بصديقي المخرج السينمائي أحمد فوزي صالح، أخذ يحدثني عن فيلمه الجديد، والصعوبات التي يواجهها، بدءاً من مشاكل الإنتاج مروراً باختيار الممثلين، قبل أن يفاجئني قائلاً "تصدق، نصّ اللي شغالين في الفيلم، شايفين الفن حرام أصلاً".

بين المشهد الأول والثاني، تتضح المشكلة. فإذا كانت هذة هي نظرة أهل العلم والتنوير للفن والسياحة، فلا تستغرب إذن من مسلك الأصوليين حين يحطمون أثراً أو يقومون بتغطية تمثال؛ فجرثومة التخلف قابعة في أساس المجتمع، وما ظهور الظلاميين سوى انعكاس لها.

بدأت القصة في النصف الثاني من السبعينيات، تحديداً بعد انتهاء حرب أكتوبر 1973، عندما قررت الدولة المصرية أن تحل مشكلتها الاقتصادية بإرسال أبنائها للعمل في الخليج، وتزامن ذلك مع ارتفاع سعر النفط والطفرة الإنشائية في بلاد البترول، الأمر الذي استدعى عمالة وخبرات للتشييد والتعليم.

ليس هناك عيب أو ضرر في ذلك على الإطلاق، لكن الكارثة أن الدولة تخلت عن مواطنيها، وتركتهم بلا دعم أو سند، وعليه وجد القادمون من ثقافة النيل أنفسهم يتعاملون مع ثقافة صحراوية مغايرة، امتزجوا بها وتشربوها. وحين عاد هؤلاء لم يعودوا فقط بالأموال، بل حملوا معهم أفكاراً تصلح لبيئتها، وإن كانت غريبة عن مصر في حينها، وتزامن ذلك مع دولة "العلم والإيمان" التي نادى بها السادات…

تقول الباحثة "نهاد فتوح" المتخصصة فى دراسات المرأة بالجامعة الأمريكية "إن إشكالية وضع المرأة في المجتمع المصري بدأت مع زينب الغزالي مؤسّسة ما عرف باسم “الحركة النسوية الإسلامية” والتي تبنت فكرة عودة المرأة للمنزل، وأن الأولى بها تربية أولادها استناداً إلى الآية القرآنية “وقرْنَ في بيوتكنّ ولا تتبرّجنَ تبرّجَ الجاهلية الأولى”. ظهر تأثير تلك الحركة بقوة  منتصف الثمانينيات في إطار اتفاق غير معلن بين الدولة وجماعة الأخوان المسلمين، كما توضح "نهاد" ؛ فقد كانت الصفقة حينها أن يُترك للأخوان الدعوة شريطة ألا يتدخلوا في السياسة".

التخلف في مصر - ملصقات حزب النور في الانتخابات البرلمانية

لكن الأوراق اختلطت وقواعد اللعبة تغيرت، وعاد الأخوان لمحراب السياسة مرة أخرى من باب "الإسلام هو الحل". لم يكن التعليم أفضل حالاً، فالمدارس الحكومية تدهورت، وتم إحلال الخاصة محلها، وقد تعاملت الأخيرة وفق نظرية "الزبون دائماً على حق". وحيث أن ولي الأمر هنا هو الزبون فيجب إرضاؤه ومجاراة الموضة، ولا مانع من التماشي مع المدّ الرجعي الحديث. لكن الأمر لم يقف هنا فحسب، ولكي تكتمل الصورة ظهرت مدارس خاصة لقبت نفسها بالإسلامية، ولعبت دور المبدع فى ترسيخ مفاهيم التخلف، بدءاً من فصل البنين عن البنات وانتهاء بتجاهل تعليم درس "الجهاز التناسلي"  لطلبة الصف التاسع، فهو وفقاً لآرائهم يحضّ على الفجور ويخدش الحياء!

هكذا تمر الأيام، ويتغير وجه القاهرة. المدينة التي كانت يوماً باريس الشرق تتحجّب يوماً بعد يوم، الحشمة والوقار الزائف يطغى على وجهها الباسم، فيما يتوارى البهاء تحت الأحمال العابسة لسدنة الدين ومحتكري الحديث باسم الله.

وعلى ما سبق، فإن اجتياح الإسلاميين للانتخابات البرلمانية عام 2012، لم يكن مفاجأة ولا محض صدفة، بل هو نتاج ثقافة نمت في البلاد. ثقافة ترى أن السلف الصالح خيرٌ وأبقى، وأن الحداثة رجسٌ من عمل الشيطان، وما حدث في القاهرة هو تقريباً ما حدث في تونس. الوهابية تزدهر وتتقدم الصفوف لتعتلي سدة الحكم. لكن قد تكون انتفاضة المصريين في 30 يونيو ضد الأصولية الإسلامية، وموجات الاحتجاج والغضب المتنامي في تونس إشارة لقادم أفضل تصنعه أجيال جديدة تفتحت عقولهم على عالم أكثر رحابة، لكن المؤكد أن المجتمعات، هنا وهناك، لا يزال أمامها الكثير للقضاء على جرثومة التخلف.

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي