جورجيت خلف

جورجيت خلف

في كل حالاته كان رمضان ممتعاً في بلادنا، حتى على الذين ما كانوا ليصوموا، لكن كانت الشروط أن يلتزموا بالآداب العامة فيه. من آدابه كتمانك عدم الصوم، أو ما يسمى بالإفطار علناً، كأن تشرب الماء في الشارع، أو أن تأكل في المطاعم المكشوفة للمارة قبل موعد الإفطار، وحتى في المنزل، إذ لا يمكنك فعل ذلك أمام أهلك الصائمين... هناك الكثير من أهازيج الأطفال التي تمجد الصائم وتندد بالمفطر مثل موشَّح ”والصايم عالدهبة، والمفطر عالخشبة“، لذا كان لا بد من انتشار ظاهرة ادعاء الصيام أيضاً في العلن وشرب المياه وسرقة اللقَم من البراد في السرّ... إذا وقعت بين أيادي الوالدة فيا ويلك من ظلام ليلك أيها الكاذب المدّعي المُفطر، أما إذا وقعت بين براثن الشرطة فشهرك سيكون زي الفل كما يقول المصريون!

كانت الحكومة قبل وقت ليس ببعيد تلقي القبض على المفطرين العلنيين في الشوارع، ابتداءً من الذي يدخن سيكارة على الطريق وهو يمشي، إلى ذاك الذي يشرب عصيراً أو يأكل صندويشة، كما أنها كانت تمنع الموظفين من ممارسة طقوس المفطرين في دوائر الدولة، كشرب القهوة أو الشاي. إلا أنه كان هناك استثناء حكومي للمسيحيين فقط، إذ كان بإمكان موظف الدولة إذا كان مسيحياً أن يشرب القهوة في رمضان وهو على رأس عمله، كما أن هناك استثناءً شعبياً أيضاً بطبيعة الحال، فالمسلمون يقدرون ذلك أيضاً. تراهم يقومون بواجب الضيافة للضيف المسيحي في بيوتهم من تقديم القهوة أو الشاي أو الطعام ضمن أوقات الدوام الرسمي للصيام، بل ويصرون على ضيفهم أن يتناول ضيافتهم براحة بال.

لم تكن الدوائر رفيعة المستوى الحكومية مستثناة من هذا الأمر، ففي كل الدوائر الرسمية لم يكن مسموحاً لعامل البوفيه تقديم القهوة أو أي مشروب آخر لغير المسيحيين، وحدث بناءً على ذلك في الخمسينيات من القرن الماضي وفي اجتماع لحكومة فارس بيك الخوري أن طلب الوزراء ثلاثة عشر فنجاناً من القهوة متعددة مستويات السكّر من سادة وعَ الريحة إلى الوسط والحلوة لشخص واحد هو فارس بيك الخوري!

أما نحن فكنا حال وقوعنا في مآزق أمام أناس لا يعرفوننا ندَّعي بأننا مسيحيون كي لا نتلقى نظرات لوم أو عتب، لكن نظرات العتب الشعبية تجاه المفطرين تبقى أهون من الوقوع بين براثن الشرطة، فالمُفطِر العلني يتلقى عقاباً وخيماً وهو السجن حتى نهاية شهر رمضان، مع الصيام الإجباري هناك، ثم يخرج صباح العيد برأس محلوق على الصفر، معايداً على الأهل والأحباب بالنيولوك.

في فرق كرة القدم، كان هناك الكثير من اللاعبين الأرمن أو السريان أو الأشوريين أو المسيحيين بشكل عام، ومن هؤلاء من كان يصلي صلاة الجمعة مع باقي اللاعبين قبل المباراة، فصلاة الجمعة كانت من طقوس معظم الفرق قبل التوجه إلى الملعب، بل إن بعضهم لم يكن ليشرب الماء أثناء اللعب، رغم أن إفطار اللاعبين كان مقبولاً بالنسبة للجمهور لما يبذله اللاعبون من عرق وجهد.

وفي السجون لم يكن هناك سجن سياسي يخلو من مسيحي متهم بالانتساب لحزب الأخوان المسلمين، فقد كانت هذه إحدى النكات الواقعية في حياتنا، أن لا يكلف رجال الأمن أنفسهم عناء تبديل التهمة حتّى، أما في يومنا هذا فيمكنك بدون عناء شديد أن تجد  بعض المسيحيين في المعارضة السورية وهم يتصرفون كما لو أنهم من حزب الإخوان المسلمين.

ويتواجد المسيحيون في كل مناطق سوريا بدون استثناء، وهم يختلفون عن بعضهم البعض حسب مناطقهم، حتى أنهم يقولون إن بعض النسوة المسيحيات في حماه يستخدمن الحجاب، بينما المسيحيون في القامشلي والحسكة وباقي مدن الجزيرة يتحدثون اللغة الكردية بطلاقة، ولعلنا نجد في المغني الكردي الأرمني الأصل آرام ديكران مثالاً ساطعاً على ذلك في مدينة القامشلي، وكذلك في مدينة الحسكة المطرب الذي يغني بكل لغات الجزيرة ابراهيم كيفو.

عودة إلى شهر رمضان والمارقين من المفطرين العلنيين، ففي مدينة الحسكة في الجزيرة حدثت واقعة شهيرة في شهر رمضان عندما ألقت الشرطة القبض على أحد البدو بعتاده الكامل من كلابية وحطة وعقال وكلاش وهو يمارس هواية شرب الكازوز علناً في الشارع، وعندما اقترب منه رجال الشرطة لم يهتم بأمرهم وتابع شربه العلني للكازوزة دون أية محاولة لإخفائها، فنظر إليه رئيس الدورية قائلاً: ليش مفطِر ولاه؟ فأجاب البدوي: آني مسيحي. فسأله الشرطي: شو اسمك؟ فرد البدوي: جورجيت خلف!

التعليقات

المقال التالي