أين بلدك من الديمقراطية؟

أين بلدك من الديمقراطية؟

في دراسة شاملة لـ18 بلداً عربياً، نشر مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، وهو أقدم وأكبر مركز حقوقي عربي، الأسبوع الماضي، تقريره السنوي للتحول الديمقراطي في الوطن العربي. التقرير "يحلل أهم التطورات التي حدثت في المجتمعات العربية على امتداد العام المنصرم، لأجل بيان مظاهر التقدم أو الارتداد في مسيرة هذه المجتمعات للانتقال والتحول من نُظم حكم سُلطاوية إلى نُظم حكم ديمقراطية". يتضمن التقرير 9 محاور أساسية لتقييم الأداء الديمقراطي هي الانتخابات، الفصل بين السلطات، الأحزاب، المجتمع المدني، حرية التظاهر، استقلال الاعلام، الاعتقالات والتعذيب، المرأة والأقليات.

تسعة محاور تعكس حال الدول الـ18 (باستثناء الصومال، جزر القمر، جيبوتي، ليبيا التي لم تتوفر فيها البيانات) لأي باحثة أو باحث يتمعّن في وضع مجتمعاتنا. تغطي المحاور التسعة مواضيع تعدّ شائكة مثل الشريعة والدستور، وأخرى تشهد انفتاحاً أكبر، مثل وضع الإعلام والمرأة. مركز ابن خلدون يُخضع هذا التقرير للنقد والتقييم بغية رفع جودة التقارير المستقبلية ولتقديم معرفة أساسية دقيقة وصادقة تساهم في تبيان وضع الدول العربية، كل على حدة، وبالمقارنة. التقرير يعطي علامات ما بين الصفر والأربعة لكل من المحاور التسعة وتشعباتها. مجموع العلامات هذه يقيّم نسبة الديمقراطية في كل بلد، وقد وضع في جدول يقسم البلدان حسب نسبة الديمقراطية أو الديكتاتورية فيها (مجتزأة كانت أو كاملة).

الديمقراطية في الوطن العربي .. أين بلدك من الديمقراطية؟

المغرب (صفحة 203 من التقرير) وموريتانيا (صفحة 221) تتمتعان بديمقراطية جزئية بحسب التصنيف، فالدولتان المجاورتان تتصدران القائمة. ومع أن نسيجهما وانظمتهما مختلفان، ففي أنظمتهما ركائز الديمقراطية كما يعرّفها الغرب. وجب التذكير هنا أن تعريف الرئيس الأميركي لينكولن Lincoln للديمقراطية هو: "حكم الشعب، يديرها الشعب، وتخدم الشعب"، 6 كلمات لا يختلف اثنان عليها كالمعيار الأفضل في القرن الواحد والعشرين للعيش الشريف. التعريف هذا هو المعيار المعتمد ولا جدل عليه: الركائز سياسية تستمد قوتها من مبادىء الحرية والمساواة، في المجتمع، كما بين الرجل والمرأة.

في المقابل، تحتل السعودية (صفحة 238) وسوريا (صفحة 79) أسفل اللائحة. باستثناء الأطر الدستورية والقانونية للمجتمع المدني وقانون الاعتقال والتعذيب في السعودية، تبدو المحاور الأخرى بعيدة كل البعد عن الحياة السياسية. أما في سوريا، فلا شك في أن قمع الحريات العامة وحرية الصحافة لطالما كان من أعمدة الانظمة الدكتاتورية، غير أن مفاجأة التقرير كانت في تصنيف سوريا في المرتبة الرابعة كأسوأ بلد عربي يمكن أن تعيش فيه المرأة، وتتصدر مصر هذه اللائحة السوداء. يأتي لبنان (صفحة 123) في منتصف الترتيب ويعاني في بعض المجالات، على رأسها حقوق المرأة، لضعف مساهمتها في المناصب العامة وضعف وضعها في الإطار الدستوري.

الخبراء في الشؤون السياسية، لاسيما مراكز الدراسات، لهم مداخلات في الموضوع منذ عقود؛ منها ما يستند إلى الإسلام والديمقراطية ومنها ما يصنّف الديمقراطية كمبدأ غربي مستورد، ومنها ما يعتمد المحاور التسعة (أو بعضها) الواردة في الدراسة كأساس لبناء دول سيادية منتجة ومستقرّة. يعترف الكثير من الخبراء بأن الحرية هي الركيزة الأولى للديمقراطية، مع تيقّنهم من أن الحرّية تهمّش من الإسلاميين الذين يرون في الديمقراطية مبدأ حكم الأغلبية الإسلامية المستندة على الشريعة وليس على الحرّية. إليكم في ما يلي نماذج من أراء بعض الخبراء في الموضوع.

عزّام تميمي يرى أن مشاركة الإسلاميين في السلطة حوربت منذ أوائل التسعينات حين فشل التحول الديمقراطي في الجزائر وذلك بعد تجارب شبيهة في كل من الأردن، ومصر، وتونس. ومن ثم شاع في الشارع العربي أن فوز الإسلاميين عبر الانتخابات سيختم الديمقراطية، إذ إن فوزهم سينهي الحكومات والدول كما نعرفها. جاءت الثورات العربية المطالبة بالحرية والكرامة لمصلحة الاسلاميين الذين رأوا في الديمقراطية وسيلة لهم للمشاركة في السلطة، بعدما كانوا ممنوعين من الممارسة السياسية. يرى تميمي أن الديمقراطية في العالم العربي ليست في مصلحة الغرب والحكّام العرب الخاضعين للغرب ومصالحه كما ليست في مصلحة النخبة العلمانية. بذلك فإن الحرب على الإسلاميين هي حرب على الديمقراطية والمشاركة في الحكم.

عبد الحافظ الصاوي. الكاتب المصري، يستعرض في مقاله "التنمية والديمقراطية في العالم العربي"  علاقة الديمقراطية بالتنمية، فالديمقراطية في القرن الـ21 تتطلب يقظة الناخب كي لا يبدو همجياً أو داعشياً، إذ يعطي ذلك ذريعة للتدخل الخارجي، وغيرها من أساليب كبت الشعوب العربية السائدة. التبعية للخارج، غياب المساءلة، تنامي الفساد، المحسوبية، غياب العدالة الاجتماعية، هذه كلّها عوائق تحول دون الممارسة الدمقراطية، فالتنمية الفكرية عماد للديمقراطية وهي مكبوتة أو ممنهجة لإحباط أي مشروع ديمقراطي في العديد من البلدان العربية.

في دراسة شاملة، يسلّط "مركز الجزيرة للدراسات" الضوء على الانتقال الديمقراطي في العالم العربي بعد عامين من اندلاع ثورات الربيع العربي لمحاولة فهم آلياته وما أدّى إلى فشل الثورات هذه وكبت ثورات أخرى أو تأخيرها. التحديات في التحول الديمقراطي تمكث في العدالة الانتقالية، الاقتصاد والتنمية، الأجهزة الأمنية والأقليات الدينية والعرقية، بالإضافة إلى العامل الإقليمي والدولي. 

عزمي بشارة ربط مفهوم الديمقراطية اليوم بالحرية والمواطنة كأسس لممارسة الديمقراطية قائلاً: "لم يعد بالإمكان تخيل ديمقراطية حيث نكتفي بحكم الأغلبية التي تسنّ القوانين وتستطيع من خلالها أن تخضع الدولة لمزاجها. حكم الأغلبية ليس ديمقراطياً بالضرورة، وقد يتحول إلى حكم مجموعة ترتبط بالهوية والقومية. وهنا يلعب الدستور دوره في تأمين الحريات. الحريات أهم قيمة يجب أن تدافع عنها الدولة، فلا حقوق مدنية من دون حرية".

التعليقات

المقال التالي