الحياة تحت داعش

الحياة تحت داعش

كنت أقود سيارتي الصغيرة إلى محل البقالة الذي أملكه في أحد أحياء الموصل الشمالية للطبقة المتوسطة كل صباح بعد أن أوصل طفلي للروضة وأودع زوجتي وهي ذاهبة لعملها في أحد بنوك المدينة. في المساء أذهب لزيارة أصدقائي أو آخذ عائلتي إلى مطعم أو زيارة عائلية في العطلة الأسبوعية. كان هذا هو الجدول المعتاد لحياتي حتى جاءت داعش. هكذا تحدث أحمد الشاب الثلاثيني من أهالي مدينة الموصل لرصيف22.

مدينتي هي ثاني أكبر مدن العراق مساحةً. تميزت منذ القدم بموزاييكها العرقي والديني وبالتعايش بين هذه الطوائف. أغلبية عربية سنية تعيش إلى جانب أكبر تجمّع مسيحي في العراق، مع أقليّات من الشبك الشيعة واليزيديين في قرى وبلدات تابعة لمحافظة نينوى. أضحت الموصل منذ العاشر من يونيو نموذجاً لحكم داعش وما يأتي به من تغييرات على الأرض حيثما حلّ.

عاد أحمد بذاكرته إلى ما قبل داعش فقال: قبل أن تسقط الموصل، كان الجيش قد ضيّق الخناق على الناس في حركتهم وأعمالهم وأرزاقهم. الفساد مستشرٍ وقد يتمّ اعتقال البعض للشبهة ولا يخرجون من المعتقل إلا بدفع مبالغ مالية كبيرة. الطرق مكتظة بالسيارات وحركة المرور بطيئة جداً بسبب حواجز الجيش، التي لا تنتهي. خنق الجيش الموصل بنقاط سيطرة لا فائدة منها سوى حجزنا في سياراتنا على مدى ساعات خلال اليوم. أما عن الوضع الأمني قبل السقوط فكان لا يخلو يوم من انفجار سيارة هنا أو اغتيال شخص. كان هناك الكثير مما تتحسب له يومياً وتخاف من حدوثه ومجرّد العودة سالماً للمنزل في نهاية اليوم هو إنجاز كبير. أضف إلى هذه التصرفات الطائفية التي سلخت الجيش والقوى الأمنية عن أهل الموصل وجعلتهم ينظرون لهم وكأنهم ميليشيا شيعية أرسلتها بغداد لتنكل بهم.

لا ينكر أحمد أن أهالي الموصل شعروا بشيء من الراحة بعد سيطرة داعش على المدينة، فهذا التنظيم استثمر التذمّر الشعبي من نقاط التفتيش وأزالها. فأصبح المشوار الذي كان يأخذ ساعة كاملة يستغرق ربع ساعة. تغاضى الناس عن سمعة التنظيم المخيفة التي اكتسبها في سوريا وأرادوا أن يصدّقوا أن تغييراً إيجابياً سيأتي بعد فترة طويلة من المعاناة الأمنية والغضب المذهبي.

احتل داعش مباني الموصل الحكومية الرئيسية مثل مبنى المحافظة وقيادة العمليات العسكريه ومقارّ الأفواج العسكرية وبعض مبانٍ فارغة أو هجرها مالكوها من مسيحيين أو شيعة وسيطروا على كل دوائر الدولة مثل البنوك ومديريات الزراعة والماء والتخطيط العمراني وغيرها. كما وضعوا فيها اختصاصياً لكل صنف هو الذي يدير الأمور ولم تبق سلطة للمدير الحكومي. مثال ذلك فإن بنك زوجتي فيه داعشي مختص بالأمور المالية وضع يده على كل السجلات وأوقف جميع الحركات المالية ومنع دوام الموظفين لإشعار مؤجل. وكذلك الحال في مديرية زراعة نينوى وغيرها. أما بلدية الموصل ففيها مدير من داعش أبعد مديرها الأصلي ويقوم هو الآن بتوجيه سيارات الأزبال وتشغيل الآليات لرفع الأنقاض من جراء العمليات العسكرية وكذلك رفع الترسانات الاسمنتية التي تسد الشوارع الفرعية وكذلك بقايا نقاط تفتيش الجيش. أما بلدية الموصل ككل فإنها لا تعمل ولم تستأنف مشاريعها للعام الحالي .

شيئاً فشيئاً بدأ الوجه القبيح لداعش بالظهور. فرضوا الخمار على النساء والزي الأفغاني على الرجال والنساء. أصبح طبيعياً أن ترى الشعر واللحى الطويلة منتشرة بكثرة في الشوارع، وهو أمر لم نعتده سابقاً في الموصل. وبسبب فتح باب التطوع بعد التوبة للجميع، انتشر أصحاب السوابق بين مسلحي داعش وأصبح من كان مطلوباً للقانون سابقاً هو من يطبق القانون الآن، ولكنه قانونه الخاص. أخرجوا المسيحيين من المدينة وفجروا جوامع هي من معالم الموصل الأصيلة ولا يوجد موصلي لا يملك ذكرى في زيارة النبي يونس أو النبي شيت. لم تعد الموصل كما كانت، بل أصبحت أكثر وحشة وقلقاً بعد أن هجرها أبناؤها وتوالت الندوب على جسدها المثخن أساساً بالجراح. الحركة قليلة في الشوارع ليس بسبب شحة البنزين الذي ارتفع سعر الليتر الواحد منه من 5000 دينار في السابق إلى 16000 دينار، بل بسبب قلة الناس.

شوّه داعش وجه جامعة الموصل العريقة بأن فصل بين الطلاب والطالبات وجعل لكل كلية نوبتين لدوام الطلاب: نوبة للشباب وأخرى للشابات وعطّل الدراسة في كلية الفنون الجميله كلها وكلية القانون ستتغير مناهجها كلياً ومنع قسم الكيمياء والفلسفة وبعض الأقسام العلمية الأخرى من كلياتها التابعة لها. أما الآن والوقت هو عطلة طلاب الجامعة فلا يسمح للاساتذة بالدوام كما هو الحال في مثل هذا الوقت من العام الماضي .

ظهر إلى الوجود ما يسمى بديوان الحسبة وهو الذي يتابع الأسواق والمخالفات التجارية والمالية إضافة لأمور أخرى. وهنالك ديوان للزكاة يجمع أموال الزكاة من الناس. أما هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتقوم مثل مثيلتها السعودية بمتابعة مدى التزام النساء بالخمار، ومراقبة كل ما يخرج عن الآداب العامة وفق تفسيراتهم. ولدى داعش نقاط إعلامية في مناطق مختلفة بالمدينة مهمتها الإرشاد والتوجيه الديني وعرض أفلام عن معارك داعش في سوريا والعراق ولهم سيارات تحمل شعار الدولة الإسلامية تحته كلمة “شرطة” وهذه السيارات دائمة الحركة في الشوارع الرئيسية للمدينة. مقاتلو داعش يتحدثون لغات عدة، فهم يتوزعون على ما يقرب من 30 جنسية مختلفة. تعرفت منها على اللهجات السعودية واليمنية وبالطبع بعض العراقيين والسوريين. أما اللغات الآخرى فلم أميزها، بل عرفت من ملامحهم أنهم آسيويون. وهناك بعض الشيشان أيضاً.

حياتنا اليومية لم تعد كما هي. أنا الآن أقتصد جداً في استعمال السيارة فلا أخرج إلا للعمل فقط. منعتنا داعش من الاتجار بالسجائر والتزمت بهذا خوفاً من العقوبة مما هبط بواردات محلي إلى الربع. كما منع داعش تداول بعض المواد مثل الحفاظات النسائية وحفاظات الأطفال ولا ندري سبب ذلك. أما باقي البضائع المتوفرة بمخازن تجار الجملة فقد شهدت ارتفاعاً يسيراً باسعارها. أما أسعار اللحوم المحلية (لحوم الأغنام والأبقار) فشهدت انخفاضاً بحدود 40% ولا نعرف ما السبب، ربما لضعف القدرة الشرائية عما كانت عليه في السابق، إذ نزل سعر كيلو لحم الغنم من 14 ألفاً إلى 8 آلاف دينار ولحم البقر من 12 ألفاً الى 8 آلاف أيضاً. وما زالت أسواقنا ملأى ببيض المائدة ولحوم الدجاج المستورد ولم تشهد ارتفاعاً للاسعار ولا ندري لماذا أيضاً.

للمرة الأولى أعتمدُ على مرتّب زوجتي، فقد صرفت البنوك مرتّبات موظفيها لثلاثة أشهر ولا نعرف ما الذي سيحدث في الأيام المطلّة. الشائعات تملأ المدينة أن النساء لن يسمح لهن بالعمل مستقبلاً. الخوف من المستقبل هو الشيء المشترك بين كل الموصليين. تبادل الأخبار عن المعارك بين داعش والبيشمركة هو جل ما يتحدث به الأهالي عندما يلتقون. كما أن الإحساس بأن هذا الوضع مؤقت أصبح شبه مؤكد عند الجميع، والخوف الآخر هو ما الذي سيفعله الجيش حين يعود للمدينة. هل ستشهد الموصل انتقاماً من الآهالي خصوصاً أن هناك أخباراً عن قتلى بين المدنيين في ديالى والفلوجة وغيرهما تطالعنا كل يوم.

الموصل حزينة مترقبة، تفتقد المسيحيين وتبحث عن قبور أنبيائها وأوليائها وأجراس كنائسها فلا تجدها. ذهب الخوف وجاء خوف آخر. دوامة من القلق تطوّق أهالي المدينة وتنهك أرواحهم المهزولة يوماً بعد آخر. الكل في انتظار المجهول، وحتى يأتي المجهول سنكافح للحفاظ على ما تبقى من حياتنا تحت رحمة من جاءنا من القرن السابع الميلادي.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي