الضرب الممنهج

الضرب الممنهج

هناك صنفٌ من الآباء باردون جداً، وهم من النوع الذي لا يستسلم لنوبات الغضب، فلا تراهم يمارسون الضرب العشوائي بحق أبنائهم. إنهم يمثلون مدرسة الضرب المدروس، الضرب الذي يأتي بنتيجة محددة دون زيادة أو نقصان، وبالتالي فهم بعد إنجازهم للعملية الدقيقة المعقدة بحق المراهق المتمرد بطريقة شيطانية، رغم الغضب الكامن خلفها، يستخرجون من الفتى الفلتان كلَّ أصناف الآخ والإيخ والتوسلات والرجاءات، من "داخل على ألله وعليك يا أبي، إلى التوبة ما عاد اعيدها بحياتي أبداً". بعد توقيع الفتى على كل التعهدات المطلوبة متصاحبة مع عبارات الندم، على طريقة علاء الدين الأيوبي الشهيرة، "ندمان يا سيدي ندمان"، يتركون الضحية بحال سبيلها حتى إشعار آخر.


لكن الإشعارات الأخرى تأتي، فالفتى ما زال يعيش حياته عرضَ الحائط، لم يتعظ من القتلة الأخيرة تماماً، وصار من المطلوب بإلحاح شديد وضع خطة جديدة لتدمير ما طرأ على عقله من أفكار جديدة دفعته لتنفيذها دون أي وازع من الخوف أو الرهبة. صديقي الذي لم يكتب وظيفته، بل ولم يستمع إلى نصيحة والده بكتابتها، تابعَ اللعب، ووعد والده المتعلم والمعلم، (والده معلم مدرسة، أستاذ، وبالتالي فهو أستاذ في فن العقاب) بالعمل عليها. لم يستمع إلى النصيحة مرة أخرى، عندما كرر الوالد الأستاذ نصيحته، قال له أن لا يهتم، سوف يسهر الليلة ويكتبها قبل الخلود إلى النوم والأحلام. جاء المساء، وعليك أن تسأل ما الذي يحدث عندما يأتي المساء لفتى أنهكه اللعب طيلة النهار. نعس صديقي، بل داهمه النعاس، فهرع إلى غرفته متسللاً ليحظى بالنوم، لأن النوم إضافة للراحة والأحلام التي يمنحها هو مهرب جيد جداً من العقاب، فقلة من الآباء توقظ أبناءها كي تعاقبهم. لدى نصف الآباء العنيفين احترام لقاعدة الولد النائم، والأولاد يتظاهرون بالنوم في كثير من الأحيان للهروب المؤقت من العقوبة، وفي الهروب المؤقت نعمة، لأن العقوبة تأتي في اليوم التالي بدون ميزة الغضب.


المهم ما لكم بالطويلة، لم يكمل صديقي النعسان مسيرته نحو غرفته كي ينام، باغته صوت الوالد الأستاذ وهو يسأله: "وين يا حبيبنا؟ مو على أساس بدك تسهر وتكتب الوظيفة؟" لم يجب صديقي النعسان على الأسئلة، ثم أتحف والده بوعد أنه سيكتبها في الصباح الباكر قبل الذهاب إلى الدوام المدرسي. لكن حسابات البيدر لم تنطبق على حسابات الحقل، لقد صدرت الأوامر بأن يجلس على كرسي في غرفة المعيشة، فجلس، وأمامه على كرسي آخر الوالد الأستاذ جلَس. جلس وفي يده قتالة ذباب، يقولون لها باللغة العربية الفصحى (المِذبَّة)، وهي ذاتها المِذبّة التي ضرب بها البايُ حاكمُ الجزائر سفير فرنسا، فاستدعى الأمر أن تحتل فرنسا الجزائر، حتى صار اسمها بلد المليون شهيد. ما علينا من الجزائر ومن الثمن الذي دفعته الجزائر بسبب المِذبّة، فالمِذبّة التي في يد الوالد ستلطُّه لطّاً دون أن ينتقم أحد له من والده، ويكبو صديقي النعسان على كرسيه، وتغفو عيناه، فيلطُّه الوالد بالمِذَبّة ليستيقظ من جديد، يعود ويكبو، فيعود اللطّ. تحمرّ عيناه، ويثقل رأسه، ويكبو من جديد فتأتيه اللسعة من جديد لتستيقظ حواسه مرة أخرى. وهكذا دواليك يا أبو شريك للصبح، صديقي النعسان يغفو، وقتالة الذباب تلسعه بلا رحمة، حتى أعلن التوبة النصوح، والندم المهول، وتعهد بكتابة وظائفه بعد العودة من المدرسة مباشرة، ووقَّع على كل ذلك بدموعه النعسانة الذابلة.


انتهت المعركة لصالح الوالد الأستاذ، لكن ليس دائماً يفوز الآباء، فصديقي المتمرد على كل شيء في البيت أوصل والده إلى حافة الجنون، ذلك أن قلب الوالد الرقيق كان يمنعه من ضرب ابنه، إلا أنه كان يهدده ملوحاً بالحزام الجلدي أو القشاط. في البداية كان صديقي يرتدع قليلاً ويشعر بالرهبة، لكنه فيما بعد اكتشف أن هذا التلويح بالقشاط ليس سوى "علاك مصدّي"، فصار يتمادى في ارتكاب الممنوعات وأبوه يلوِّح. يتأخر في العودة إلى المنزل وأبوه يلوِّح، يصرف ثمن الخبز على ملذاته الشخصية ويحرم العائلة من خبز اليوم وأبوه يلوِّح، إلى أن شاهد أباه ذات يوم يلوِّح لوحده في الصالون بالقشاط للا أحد، صار تلويحه بالقشاط عادة حركية لديه، تشبه إلى حد كبير الرقص الرجالي الحلبي، والذي يعتمد على التلويح بالسيف والرد على هذا التلويح باستعراض الترس.

جنّ الوالد جنّ، جن الرجل الذي اعتقد أنَّ الوسيلة الوحيدة للحوار مع الأبناء هي الضرب الذي لا يتقنه، لم يخطر على باله أن يسأل نفسه: ما الذي يجب على الآباء أن يتقنوه مع أبنائهم سوى الضرب؟

التعليقات

المقال التالي