لولا صفعاتك يا أبي!

لولا صفعاتك يا أبي!

هم المطلوبون، هم المهدورة دمائهم، والمسفوكة وجوههم، في الحارة والبيت والمدرسة إذا استلزم الأمر. إنهم بلاليع العيلة، هذا هو اسمهم المتعارف عليه، المراهقون أو الأطفال الأشقياء، الذين أعيت طباعهم أهاليهم وأساتذتهم فلجأوا إلى العنف لتقويمهم ولتربيتهم كما هو المصطلح. فكم صفعة نلتَ من أبيك يا أخي المراهق وهو يقول لك: هاد الكف لمصلحتك يا إبني؟


ويبدأ تفكيرك بالجنوح بالخيال لتعرف أين يكمن بيت القصيد من هذا الكف، والغريب أن معظم من تعرضوا للضرب المبرمج والعشوائي من أهاليهم يقرون بأنهم يستحقون ذلك، فإذا كان العنف ضد الأطفال المشاغبين، والمراهقين المتمردين متداولاً فإنه مشروع أيضاً. الأم توافق ضمنياً على ممارسة العقوبات غير الذكية على الولد، ولو أنها شكلياً أحياناً ولمدة لحظة فقط يتبرج فيها قلب الأم الحنون أمام نظرات الأب القاسي وأسماعه، فيتوقف عن القتال، القتال الذي من طرف واحد... تهدأ زمجرته، وتستكين ملامحه الغاضبة رويداً رويداً، ثم يرميك بنظرة احتقار أخيرة كي يكون ختام القتلة مسكاً، وينظر إلى أمك محمِّلاً إياها جميلاً وجدانياً ألا وهو رفع براثنه عن إبنها الملعون.


ملعون أنت أيها المختلف عن المسطرة التي سطر بها والدك وباقي الآباء في هذا المجتمع سطور حياتك الواجبة، وهيهات هيهات أن تكون روحك الوثابة مستكينة إلى طريقة الحياة الواجبة، وحجتهم أنهم يمسكون بيدك ليوصلوك إلى بر الأمان، بر السلامة، بينما هم في الحقيقة يمسكون بمعصمك ويشدونه نحوهم، نحو الماضي الذي يفضلون أن تتربى عليه، على رضاه بالفتات من الحياة، على الخنوع للغة الجهل، للغة التخلف، حتى أن آباءنا أصبحوا دكاترة في تعليم الجهل.

النموذج الذي يمثله الأب القائد موجود في معظم البيوت حتى البيوت المخالفة، ولا يفعل معلمّو الجهل ذلك أيضاً، بل معلمو الثقافة والمعرفة أيضاً، فهم يضربونك كي تتعلم، لكن العلم الذي يحبون. والدك الذي فشل بأن يصبح طبيباً لأنه كان جحشاً في المدرسة يريدك أن تحقق حلمه هو وتصبح أنتَ طبيباً، وعندما تسول لك نفسك أن تتوسل إعفاءك من منصب الدكتور، يأتيك الكف اللي متل فراق الوالدين لينال من خدك بواسطة كف الوالد الكريمة المباركة. يا ويلك من ظلام ليلك إن لم تصبح دكتوراً، أو مهندساً، أو صيدلانياً أضعفَ الإيمان، ولا يمنع أن تكون محامياً بعد أن اكتشف الآباء في عصر الفساد أن المحامي عندنا ليس كالمحامي في فرنسا، عندنا ليس لمغامراته المادية حدود أو حسبان، فهو ليس محامياً فحسب، بل إنه لاعب كشتبان.


ينظر إليك والدك في الشارع أمام عيادتك وهو يمتّع ناظريه بالآرمة المضيئة لإسمك تحت كلمة الدكتور. كم هو فخور بذلك الآن، وكم أنت فخور في غفلة من روحك وما كانت في يوم من الأيام لتريد، وتقول في نفسك، لولا صفعاتك يا أبي ما أصبحت دكتوراً، لولا رفساتك يا أبي ما صرتُ طبيباً، لولا نطحاتك يا أبي ما كنتَ رأيتني كما تراني الآن، مختصاً بسبع غدد، ومدوخاً لنسوان البلد، لما سمعت رنين المال في جيبي العميق، ولا خشخشة الذهب في قدمي زوجتي بنت الخلق والناس، بنت الحسب والنسب، بنت البكوات، بنت الباشوات، التي ستضب لك حفيداتك، وتربيهن على ما رباها أهلها. لن تنسى النظام، نظامك هو الماشي، وعلى راشي، على راشي، هلا والله، حيالله، أنت رجل، أنت سليل الماضي العريق، أنت الأب الجديد، لن يسقط هذا النظام، سيبقى بفضلك وبفضل أبنائك، وأجيالٍ وأجيال، ومن الجيد أنك تذكرت أن كل الصفعات كانت لصالحك، وأن كل الرفسات إنما كانت لتدفعك قدماً إلى الأمام.


شعب وجد نفسه في الأمام ولم ينتبه إلى القدم التي شاطته إلا في نهاية الأوان، نهاية عصر قرر فيه الأطفال أنه لا لضرب الأطفال، وخرجوا عوضاً عن رجال كانوا يأمرونهم بأن يصبحوا رجالاً قبل الأوان، يضربونهم عندما يلعبون، يمزقون لهم الكرة، ويحجزون البسكليتات عنهم، يتمادون في الضغط عليهم كي يمنعوهم من الاستمتاع باللعب.

بلاد لم يشبع الأطفال فيها لعباً هي بلادٌ انتحر فيها الخيال، فانعدمت الأحلام، إلى درجة أنه في هذا الوقت لم يعد يحلم الأطفال في البلاد حتى بالبقاء على قيد الحياة، صارت الاستمرارية في الحياة حلماً، بل حلماً مستحيلاً، فأي عنف يواجهه الأطفال الآن، أي عنف توج مسيرة عنف قديم مستمر ممنهج ومبرمج ضد الأطفال، وعشوائياً غاضباً همُّه التنفيس عن الذات الأبوية قليلاً بسحق ذاتٍ صغيرة من لحمه ودمه بشتى الأشكال.


ممّ ينتقم الأب؟ هل ينتقم من نفسه لسبب ما؟ هل ينتقم من النظام، أم أنه مجرد شخص في لاوعيه يقلد النظام، يشعر بالصِّغَر فينتقم من الصغار.

التعليقات

المقال التالي