الإعلام المصري، نيران صديقة

الإعلام المصري، نيران صديقة

تحرير قرية كرداسة"، هكذا كانت عناوين أخبارنا الأسبوع الماضي. "الهجوم على قرية كرداسة"، تلك كانت عناوين أخبار العالم. بين ما أسميناه نحن "تحريراً" وأسماه العالم "هجوماً" سقطة أخرى تقع وحق آخر يضيع. إعلام يفشل المرة تلو الأخرى في أداء أهم وظائفه: "إعلام العالم بحقيقة ما يحدث".

"كرداسة" هي أكبر قرى محافظة الجيزة في مصر، وقد اشتهرت بصناعة النسيج، خاصة الملائم منه للأغراض السياحية. من يدخل كرداسة لا يرى فيها أي ملمح استثنائي يميزها عن أية قرية مصرية، الفلاحون في المزارع، العمال في مصانع النسيج المنتشرة، الطلاب فى المدارس، والنساء في المنازل، لكن كرداسة فعلياً أعمق من هذا... هي قصة "صدام مع الدولة لأكثر من خمسة عقود".

اشتهرت القرية بميلها للتيار الإسلامي، وخاصة جماعة الأخوان المسلمين. تاريخ صدامها مع الأمن طويل وممتد، ففي 21 أغسطس عام 1965 توجه خمسة من رجال المباحث الجنائية للقبض على "السيد نزيلي" أحد أعضاء جماعة الأخوان المسلمين في القرية. قاوم أهل الرجل لمباحث ما أسفر عن مقتل أحد الضباط وفرار الباقين. تلك كانت أولى لحظات الصدام بين الدولة والقرية، أو لنقل "إخوان القرية"، ومن حينها توترت العلاقة بينهما، تهدأ أحياناً وتشتعل أحياناً أخرى، ولكن يبقى العداء مستمراً، حتى أن واحداً من أبناء عائلة الزمر، أكبر عائلات القرية، "عبود الزمر"، كان أحد أهم المشاركين في اغتيال الرئيس المصري أنور السادات سنة 1981.

مع مرور الزمن تحولت كرداسة إلى مركز تجمّع للتيار الإسلامي السياسي ومعمل لتفريخ العناصر الجهادية، بل إن تحقيقات الاستخبارات الأمريكية كشفت عن أن كثيراً من المصريين المنتمين لتنظيم القاعدة تعود جذورهم إلى القرية.

في يونيو 2013، مع اندلاع المظاهرات المناوئة لحكم الإخوان، وتطور الوضع بصورة دعت الفريق عبد الفتاح السيسي، "قائد الجيش"، لإعلان تحذيره الأخير للرئيس محمد مرسي بحتمية التوافق مع القوى السياسية والبحث عن مخرج للبلاد، قررت جماعة الأخوان المسلمين حشد أنصارها في اعتصامين أساسيين، الأول في رابعة العدوية، والثاني في ميدان النهضة بالجيزة. هنا عادت كرداسة للظهور من جديد على الساحة. فالقوام الأساسي لاعتصام النهضة كان من أهالي قرية كرداسة، وذلك لقرب المسافة بين القرية وموقع الاعتصام، فضلاً عن توافر الأعداد اللازمة لحشد الاعتصام من رجال القرية. في فجر 14 أغسطس 2013 داهمت قوات الأمن المصري الاعتصام بغية فضّه، ما أسفر عن سقوط 27 قتيل من أهالي كرداسة. لم تشأ القرية الموعودة أن يمر يوم الفضّ هكذا دون أن تسطر لنفسها سطراً بارزاً فى الكتاب الدامي، فهاجم   الأهالي مركز شرطة كرداسة في عملية انتقامية لضحاياهم في النهضة، ما أسفر عن مقتل جميع أفراد الشرطة المتواجدين، والبالغ عددهم 13 ضابطاً ومجنداً. الأمن بدوره لم يكن يسعه السكوت، وتحتّم عليه الهجوم على القرية والقبض على العناصر الجهادية المختبئة فيها. إنه حقه، لا بل واجبه، إذ لا توجد دولة في العالم يمكن أن تسمح بوجود عناصر مسلحة فارّة في قرية، إلا وأحكمت قبضتها عليها وحولتهم للمحاكمة.

إلى هنا، يبدو الأمر منطقياً ومفهوماً: قرية تحولت عبر السنين إلى مركز للجهاديين وبؤرة للعنف، وسلطة تحاول إحكام سيطرتها على دولة ضعفت قبضتها وشارفت على تفكك مفاصلها. الصدام حتمي والدم وارد. لكن ما هو غير منطقي وغير مفهوم، دور الإعلام، الذي قرر دون مبرر اختلاق أكاذيب لتشويه سمعة الأخوان، في حين أن الواقع كان يكفي ويزيد. لسبب لا يعلمه إلا الله وأولوا البصائر من أهل المهنة، أخذت الصحف المصرية وبرامج التلفزة تتحدث عن أن قرية كرداسة محاصرة وأن الأخوان المسلمين يقيمون المتاريس على مداخلها، وأن لا أحد يمكنه الدخول أو الخروج منها، وأن سكان القرية يستغيثون بالدولة لنجدتهم... كل ذلك من دون أن يلتفتوا إلى أن أي مراسل أجنبي مقيم بالقاهرة يمكنه التوجه للقرية وتبين كذب ما يقولون، وهو ما حدث بالفعل.

ذروة الأكاذيب كانت عندما هاجمت الشرطة القرية للقبض على العناصر الجهادية المختبئة بها وسقط شهداء للأمن, فصيغ الخبر كالتالي: "الأمن يحرر القرية الحبيسة"، ما جعل الصحافة المصرية في وادٍ، والعالم أجمع في واد آخر. مكمن الخطورة ليس في الكذب ورداءته فحسب، بل في العقليات التى تدير الإعلام المصري بنظريات تعبوية تجاوزها الزمن، متناسين أن التطور التكنولوجي أسقط جدران الدول الشمولية، وأن السبيل الوحيد لتكون حاضراً هو أن تكون صادقاً.

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي