البورنوغرافيا في الشرق الأوسط

البورنوغرافيا في الشرق الأوسط

الحقيقة المنكرة

في الماضي، كان الحصول على أفلام إباحيّة في العالم العربي، يتطلب الذهاب، بحذر كبير، إلى محل صغير لبيع أشرطة فيديو في شارع مظلم وغامض، والسؤال عن أفلام "ثقافية". اليوم، لم يعد البحث عن الأفلام الإباحيّة أمراً صعباً، مع ازدياد مستخدمي الإنترنت وتكنولوجيا الهواتف الذكيّة في الدول العربية الـ 22، غير أنّ وصمة العار المرتبطة بذلك لا تزال على حالها. فبينما تكثر المساءلات حول عدد من القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة من قبل مجتمعات تتوق للتّغيير في المنطقة، لا يزال الحديث عن البورنوغرافيا، الجنس والتوجّهات الجنسية للأفراد أمراً محرماً.

لا شكّ في أنّ علاقة العالم العربي بكل ما يكتنزه الإنترنت من مواد ”للكبار فقط“ لا تزال إشكالية. وفق إحصاء جديد أجرته جامعة نورث وسترن في قطر North Western على عينة من 10,000 شخص من 8 بلدان عربيّة، أيّدت غالبيتها اعتماد قوانين أكثر صرامة لتنظيم الإنترنت. ذلك في حين تنشر المكينة الإعلامية المحلية رواياتٍ تحذيرية مختلفة، مستعينة بشتّى أنواع الخبراء الذين يحذّرون من أضرار المشاهد الإباحيّة التي قد تؤدي إلى ازدياد الأمراض العقلية والجرائم، كما انتشار ”الانحرافات الجنسية“، التي يُقصد بها المثلية.

وعلى الرّغم من وجود أدلة حاسمة على أن سياسات الرقابة دائماً ما تبوء بالفشل، لا تزال الحكومات تعلن عن مخططاتها لحجب المواقع الخلاعيّة، مصحوبة بتأييدٍ واسع من الرأي العام. في عام 2011، عندما ظنّ الجميع أنّ سياسات بن علي الرقابيّة المتشدّدة قد شارفت على الزوال، أصدرت محكمة تونسيّة حكماً تمنع فيه المواقع الإباحيّة لأنّها "تتعارض مع قيم المجتمع العربي الإسلامي". وقد كرّست حكومة مرسي، قبل بضعة أشهر من الانقلاب عليها، ساعات مطوّلة للبحث في مشروع لحجب المواقع الإباحيّة، تبلغ كلفته 3.5 مليار دولار أميريكي، متناسية كل ما تحتاجه البلاد من أولويّات.

ولكن في الوقت الذي تبدي فيه الشّعوب العربيّة، علنياً، نفوراً ومعارضة للبورنوغرافيا على الإنترنت، تظهر عاداتها الفردية السريّة واقعاً مغايراً. باختصار، الإباحيّة منتشرة بشدّة في العالم العربي. وفقاً لـ Google AdWords، إن 10٪ من عمليات البحث عن كلمة sex على الإنترنت في العالم تعود إلى العالم العربي بدوله الـ 22.  يجري العالم العربي حوالي 55.4 مليون عملية بحث عن كلمة "sex" شهريّاً (إذا ما استثنينا 24 مليون عملية بحث إضافية عن كلمة "جنس")، ما يعادل الولايات المتحدة والهند، اللذين يعدّان من روّاد استهلاك الإباحية في العالم.

الأمر المثير للاهتمام، هو أنّه عند ضبط هذه الأرقام لتعكس مدى سهولة وصول الأفراد إلى الإنترنت (التي تتراوح بين 85% من سكان الإمارات العربية و1.4% من سكان الصومال) يلاحظ أن عمليات البحث عن كلمة "sex" عبر غوغل في العالم العربي تكاد تفوق أي مكان آخر في العالم. وفقاً لـ AdWords، إن كل مئة مستخدم عربي، يجرون ما يقارب 52 عملية بحث شهرياً، مقابل 21 للولايات المتحدة، 36 للهند، 45 لفرنسا و47 لباكستان.

901712640_Path

يلاحظ أيضاً أنّ حجم عمليات البحث عن الأفلام الإباحيّة على الإنترنت لا يقتصر فقط على قيمته المطلقة، بل أيضاً نسبة لغيره من عمليّات البحث الإلكترونية في المنطقة. تظهر المعلومات التي توفّرها شركة الإحصاءات الإلكترونيّة Alexa، أنّ المواقع الإلكترونيّة المخصّصة للكبار تشكّل 7 من المواقع الـ 100 الأكثر استهلاكاً في الولايات المتّحدة، وهو رقم تتجاوزه ما لا يقل عن 6 دول عربية هي الجزائر، العراق، لبنان، ليبيا، تونس واليمن. كما أنه، وفقاً لـ Google Trends، التي تظهر حجم البحث عن كلمات محددة نسبة لكافة الأبحاث على غوغل، يميل سكان المنطقة العربية  للبحث عن كلمة ”sex“ أكثر من أي مكانٍ آخر في العالم، باستثناء شبه القارة الهندية.

download (1)

تزوّدنا الإحصاءات الإلكترونيّة أيضاً بلمحة عن التنوّع في الأبحاث الإباحيّة في الدول العربية المختلفة، وتظهر أذواقاً إقليميّة متفاوتة. فبينما يبدو أن مصر، أكبر دولة عربية من حيث عدد سكان، هي أكبر مستهلك للمواقع الإباحيّة بالمطلق - إذ تستحوذ على 44% من عمليات البحث عن الكلمات الإباحيّة في المنطقة - يظهر أن العراق وليبيا يسجّلان أعلى الأرقام من حيث عدد الأبحاث للفرد.

في العراق، يبلغ معدّل البحث عن مجموعة من الكلمات المتعلقة بصور ومشاهد خلاعيّة 84 لكل 100 مستخدم للإنترنت شهريّاً، بينما تسجّل ليبيا ما يعادل 54 بحث. أمّا المغرب، فتسجّل حوالي 5 أبحاث فقط للكلمات نفسها لكل 100 مستخدم، جنباً إلى جنب مع عمان وموريتانيا اللتين تسجلان حوالي 7 أبحاث شهريّاً.

للحصول على فكرة أكثر وضوحاً، لا بدّ من التعمّق في الكلمات التي يستخدمها الناس للبحث عن مشاهد بورنوغرافية. فبينما يتم البحث عن كلمة "بزاز" حوالي 895,000 مرة شهرياً وعن كلمة سحاق حوالي 718,000 مرة (تسجّل العراق أكبر عدد من مستهلكيها على المستوى الفردي)، يبدو أنّ كلمات أخرى، أكثر فيتيشية، تحظى بشعبية أكبر. تسجّل كلمة "نكاح الحيوان" (بالعربيّة والإنكليزيّة) حوالي 1.03 مليون مرّة شهرياً في المنطقة، وكلمة "نكاح المحارم" 1.18 مليون مرة، أي ما يزيد عن بحث واحد لكل 100 مستخدم.

download

لكن كيف نستطيع أن نفهم هذه الأرقام؟ في الغرب، حيث يسود الاعتقاد بأنّ العالم الإسلامي غير معني بالجنس،  تشكّل القصص التي تصوّر المجتمعات التي تعتبر تقليدية على أنها بؤر للفساد، مواضيع إعلاميّة مثيرة. أمّا في الشرق، فيستخدم المحافظون دينياً حقيقة نمو العادات الجنسيّة كدليل على تأثير العادات الغربيّة السلبي، وعلى ضرورة العودة إلى العادات القديمة الحميدة. على سبيل المثال، دائماً ما يحذّر الدكتور السعودي مشعل بن عبد اللّه القدحي، "الخبير" البارز في مجال الإنترنت، من مضار المواقع الإباحيّة على أنّها جزء من مخطّط غربي تخريبي. يقول في تهجّم لاذع إنّ "أهل الغرب، بقيمهم الفاسدة وأمراضهم الخبيثة ومبادئهم الذميمة لم يكتفوا بإفشاء الرذائل والمنكرات ودواعي غضب الجبار بينهم ولكن تمادى بهم الحال إلى محاولة تصدير هذه المصائب والأمراض إلى دول الإسلام".

في الواقع، كلا ردّتي الفعل ترتكز على معتقدات تاريخيّة حول دور الجنس في المجتمع العربي. في المقابل، توضح شيرين الفقي، كاتبة Sex and the Citadelلرصيف 22، أنّ حقيقة مشاهدة العرب للأفلام الإباحيّة ليست بغريبة إطلاقاً. فقبل القرن العشرين وقبل نشوء الدول بشكلها الحديث، كان لدى المجتمع العربي تاريخ عريق في التصوير الجنسي تجلّى في الأدب والموسيقى؛ فكتب القرون الوسطى مثل "الروض العاطر في نزهة الخاطر" و "جوامع اللذة" قد كتبت لأسباب عمليّة، ولكنّها كانت تقرأ أيضاً للّذة. "كان هدفها الإثارة" توضح الفقي، "لذا هي بورنوغرافية. إن المفاهيم التي تعتبر المواد الإباحية كياناً غريباً عن الثقافة العربية عارية عن الصحة تماماً".

مع ذلك، تبقى ردّة الفعل الوحيدة للحكومات العربية تجاه البورنوغرافيا على الإنترنت الذعر. عندما أظهرت دراسة سعودية أنّ هناك استخداماً واسعاً للبروكسي proxy لولوج مواقع ممنوعة، ظهرت نداءات عدّة تدعو لإنشاء مراكز إعادة تأهيل للمدمنين على الإباحية. لكن إن كان هناك من مشكلة فعلية يتوجب التوقف عندها، فالإباحيّة لن تكون بالتأكيد سوى إحدى عوارضها. الرغبات الجنسيّة ظاهرة عالمية، وعندما تمنع النّاس من استخدام الطرق التقليديّة لإشباعها - مثل تطبيق قوانين صارمة تمنع ممارسة الجنس قبل الزواج، تأتي مترافقة مع مجموعة من العوامل الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تعيق إمكانية الزواج - فليس من المستغرب أن يلجأ النّاس إلى كمبيوتراتهم لإشباع هذه الرغبات.

إنّ رصد وتشفير المواقع الإباحيّة من قبل الحكومات المحليّة ليس مفاجئاً، لكنّ الادعاء أنّ هكذا أفعال تتأتّى من معتقدات دينيّة يدعو للشكّ. على العكس، يمكن اعتبار الجهود المبذولة لحجب المواقع البورنوغرافية كجزء من عملية رقابية واسعة. تقول الفقّي: "أقوى الوسائل للتحكم بالمواطنين عبر العصور كانت باستخدام الجنس". قد يبدو أنّ هناك تشابهاً بين الحجج التي تقدمها الحكومات الإسلاميّة لمنع المواقع الإباحيّة وتلك التي تتبنّاها دول أوروبيّة ليبراليّة، غير أن كل منها ينطلق من معايير مختلفة. فمنع أو حصر الدخول إلى مواقع ذات محتوى معيّن من قبل الحكومة الأيسلنديّة يأتي من باب منع استغلال المرأة في التجارة الجنسية ولمكافحة الصور النمطيّة السلبيّة عن الجنسين. لا يمكن اعتبار أنّ مساعي حكومة مرسي السّابقة تتآتى من نفس الأسباب ولها نفس المساعي.

يبدو واضحاً جداً أنّ البورنوغرافيا ستبقى موجودة. فمحاولات الحكومات لحجب المواقع الخلاعية باتت كلعبة كرٍّ وفرٍّ، كلّما حجبت الدولة موقعاً، ينطلق موقع آخر وهكذا دواليك. لا شكّ أن جهود الحكومات ومواردها قد تبذل بشكل أفضل في أماكن أخرى. بالإضافة إلى ذلك، هناك غياب فعلي لأي نقاش جدي حول هذه المسألة في النطاق العام، وطالما استمر الإعلام العربي بتناقل أخبار باطلة على شاكلة ”من يشاهد البورنوغرافيا يتحول إلى مجرم“ أو ”يصبح مثليّاً“، ستبقى الاعتقادات الشعبية حول الإباحية والجنس بشكل عام منحرفة.

647312466_Path

مروى بوكريم، مصممة غرافيك، تهوى تنظيم المعلومات وإظهارها بشكل جميل. يمكن مشاهدة تصميماتها على موقعها  www.marwaboukarim.com

كلمات مفتاحية
الجنس الشرق الأوسط

التعليقات

المقال التالي