هل تدق أجراس الكنائس في الخليج؟

هل تدق أجراس الكنائس في الخليج؟

"لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة"، هذا وفقاً للمادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948.

على الرغم من أن حق الاعتقاد والدين، على غرار الكثير من حقوق الإنسان الأخرى، يُنتهك ولا يُحترم  في عدد من دول العالم، إلا أن ثمة حكومات ما تزال تسعى لاحترام كل الأديان على أراضيها. هذا هو الحال في معظم دول الخليج، ولكن كلّ على طريقتها. تُدرج حرية الدين في دستور الكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة، في حين أن السماح بها يتعرض لتشدد في دول أخرى. على سبيل المثال، في سلطنة عُمان، يحتاج أي شخص إلى موافقة "وزارة الأديان" لإلقاء عظة.

ما هو إذاً حال المسيحيين في دول الخليج التي تعتمد الشريعة الإسلامية؟ "صحّي ومتعدد الجنسيات بامتياز"، بهذه العبارة يختصر القسيس أندرو تومبسون، راعي الأبرشية الأنجليكانية سانت أندرو في أبوظبي، وضعهم. ملايين المسيحيين يعيشون في هذه المنطقة، إلا أن أغلبيتهم عمّال وافدون (وحدها الكويت والبحرين تضمان مواطنين مسيحيين). الطائفة الكاثوليكية هي الأكثر انتشاراً، تليها الكنائس الإنجيلية، ثم الكنائس الأنجليكانية والأرثوذوكسية. بحسب أندرو تومبسون "الكنيسة هنا عالمية"، إذ أنّ مسيحييون من مختلف الدول يصلّون في مراكز العبادة أو المنازل أو حتى غرف الفنادق.

الإمارات تحتضن أكبر عدد من الكنائس

من بين كل دول الخليج، تضم الإمارات العربية المتحدة أكبر عدد منها، أي ما يتخطى 40 كنيسة. أغلبية المسيحيين فيها يأتون من الهند والفيليبين، إضافة الى عدد من اللبنانيين والأردنيين والمصريين والسوريين والعراقييين. يعتبر كاهن رعية سانت ماري في دبي، الأب توماسيتو أن "حرية الدين موجودة، إلا أنها مختلفة عن الحرية المتوفرة في الدول المسيحية أصلاً، إذ أن الأمور ليست بهذه السهولة". ويضيف أن الإماراتيين منفتحون ومتسامحون وكرماء، لاسيما أن معظم الكنائس والمقابر بُنيت على أراضٍ وهبتها الحكومة. ولكن باتت الأمور أكثر تعقيداً اليوم، إذ يصعب الحصول على أراضٍ بسبب تزايد عدد المطالب وتزايد تواجد مختلف الطوائف المسيحية. لا بد من الإشارة إلى أن الكنائس في دبي تحصل على إجازة تجارية لمزاولة نشاطاتها ككيان معنوي. يقول الأب توماسيتو "بصفتي المسؤول عن الكنيسة، أنا أحمل تأشيرة دخول مدير عام"!

لا تفرض الإمارات قيوداً على الكنائس، باستثناء حظر التبشير الذي يُعتبر "إجباراً" لمسلمين على اعتناق المسيحية، ما يدفع الكنيسة بحسب الأب توماسيتو إلى "رفض أي طلب من مسلم يريد تغيير دينه رفضاً قاطعاً". أما في ما يتعلّق ببناء الكنائس، فغالباً ما يكتنفه التحفظ، أكان من حيث الهندسة أم الموقع. يظهر واقع الحال هذا جلياً عندما تصل إلى منطقة عود ميثا، بور دبي، حيث تكثر الكنائس خلف الأسوار. فلا صلبان أو أجراس ظاهرة. بحسب الأب توماسيتو "لا يوجد قانون بهذا الشأن، بل هو أشبه باتفاق شفهي لعدم عرض الرموز المسيحية في الأماكن العامة احتراماً للثقافة والحساسيات المحلية." إلا أن الوضع بدأ يتبدّل مع مرور الوقت، وباتت بعض الكنائس تشبه "الكنائس التقليدية" من حيث الشكل على غرار الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية في الشارقة.

الكويت، وضع مستقر

بُنيت أقدم كنيسة في الخليج، الكنيسة الإنجيلية الوطنية، في الكويت عام 1932. (حتى لو كانت الكنائس الشرقية في القرون الستة بعد المسيح قد بنت كنائس وجدت آثارها في الكويت والسعودية وأبو ظبي). وعلى غرار الدول الأخرى، يعتبر معظم المسيحيين في الكويت من المغتربين، إلا أن هناك أقلية كويتية مسيحية. يحفظ الدستور الكويتي "حرية ممارسة الدين وفق العادات المرعية، شرط ألا يتعارض مع السياسة العامة أو الأخلاق"، وقد شكّل إنشاء مجلس العلاقات المسيحية الإسلامية في الكويت، عام 2009، خطوة قوية لتعزيز الروابط بين المسيحيين والمسلمين.

قطر تلحق بقافلة الدول الخليجية الأخرى

عام 2008، دشّنت قطر أول كنيسة كاثوليكية فيها، كنيسة العذراء، وأنهت سنوات من العبادة السرية لعشرات الآلاف من المسيحيين. يقول الأب توماسيتو الذي خدم 7 سنوات في قطر "قبل تشييد هذه الكنيسة، كنا ننظّم القداديس في المدرسة الفيليبينية أو الأميريكية أو حتى في الملاعب بضواحي الدوحة، على غرار المسيحيين الأوائل". تُعدّ هذه الخطوة مؤشراً إلى جهود قطر للانفتاح. وكان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قد تبرّع شخصياً بالأرض لإقامة الكنيسة التي بلغت كلفتها 15 مليون دولار.

لا للكنائس في المملكة العربية السعودية

تبقى المملكة العربية السعودية الدولة الخليجية الوحيدة التي ترفض بناء كنائس على أراضيها. من باب المفارقة، تضم المملكة أكبر عدد من العمال الوافدين المسيحيين، إلا أنها تبقى الأكثر تشدداً. فعلى الرغم من أن الحكومة تضمن وتحمي حق العبادة في المنازل لغير المسلمين، إلا أن هذا الحق لا يُحترم على أرض الواقع ولا يضمنه القانون. تمنع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ممارسة طقوس الديانة المسيحية؛ حتى أن اعتناق أي مسلم لديانة أخرى يُعدّ ارتداداً عن الدين طبقاً لنصوص الشريعة الإسلامية وجريمة عقوبتها الموت.

في تصريح يعكس التشدد في المملكة، أعلن مفتي المملكة العربية السعودية، الشيخ عبد العزيز بن عبدالله عن ضرورة تدمير الكنائس في المنطقة. ووفقاً للمفتي، ينسجم تدمير الكنائس مع القوانين القديمة التي تنصّ على أن الدين الوحيد المسموح به في شبه الجزيرة العربية هو الإسلام. لا بد من الإشارة إلى أن المفتي هو أعلى سلطة دينية في المملكة ويرأس أيضاً المجلس الأعلى للعلماء واللجنة الدائمة للإفتاء. بذلك، تجد المملكة العربية السعودية نفسها معزولة، بعد أن اختارت الدول الخليجية الأخرى قبول الآخر.

يختلف نطاق حرية الدين من دولة لأخرى، ولكن علينا ألا ننسى تداعيات البيئة الإسلامية لهذه الدول. الحال أن خيار ركوب قطار الحداثة والانفتاح على الغرب، الذي ينعكس إيجاباً على الكنيسة، يعمّق مشكلة "انفصام الهوية" لدى المواطنين المحليّين فيما يتعلّق بالعادات والتقاليد المحلية، ففي مجمّع تجاري واحد، يستطيع الزائر أن يكتشف كل الطوائف المسيحية في غضون ساعات قليلة فقط. من جهة أخرى، يقول القسيس أندرو تومبسون: "من المفارقات أن العيش في بيئة إسلامية، قد أجبر الكنيسة العالمية على أن تتوحّد بمختلف طوائفها، فيصلون معاً كجيران يتقاسمون المساحة ذاتها، وهو أمرٌ فشلت الكنيسة، حتى الآن، في القيام به في الغرب"!

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 29.03.2013

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

كلمات مفتاحية
الأقليات

التعليقات

المقال التالي