قنوات دينية طائفية: هل نحن بحاجة لمزيد من الكراهية؟

قنوات دينية طائفية: هل نحن بحاجة لمزيد من الكراهية؟

وابل يومي من حمم الطائفية ينهال على مشاهدي قنوات "دينية" ناطقة باللغة العربية. لم تعد الأرض مكاناً كافياً لخوض الحروب الطائفية في الشرق الأوسط، فانطلقت إلى الفضاء. أثير يحمل خطباً نارية تقطر كراهية وتكفيراً. نُبشت الكتب القديمة التي كتبت في أوج الصراعات الطائفية- السياسية في العالم الإسلامي، وتحولت على أيدي محاربين بالوكالة إلى وقود لتغذية الحقد المذهبي في عالم هو أحوج ما يكون اليوم لنبذ الكراهية ووقف سفك الدماء. عمائم مجهولة ظهرت في غفلة من الزمن وتحولت في وقت قصير إلى شخصيات معروفة. عدنا في القرن الحادي والعشرين لنسمع بألقاب مثل "الشيعة الروافض" و"النواصب العمرية".

أحد هؤلاء القادمين الجدد هو ياسر الحبيب، الوجه الأبرز على قناة "فدك" الشيعية التي تبث من بريطانيا. من اختيار الاسم يبرز الهدف الطائفي واضحاً. فالاسم هو لقطعة أرض ذكرت كتب التاريخ أن خلافاً عليها نشب بين الخليفة أبي بكر والسيدة فاطمة إبنة النبي محمد وذلك بعد وفاة النبي واعتبار خليفته أن كل ما تركه صدقة وأن الأنبياء لا يورثون. حادثة تاريخية تُضم لعشرات القصص التي تحويها كتب التاريخ الإسلامي، والتي يجهل تفاصيلها الكثير من عامة المسلمين. لكن قناة فدك رأت أن الهدف الأسمى للإعلام هو فضح "النواصب" ومتابعة الحرب المذهبية التي نشبت منذ أربعة عشر قرناً.

ياسر الحبيب شاب كويتي الجنسية، عمل في جريدة الوطن الكويتية لفترة من الزمن، ثم بدأت عوارض التطرف المذهبي تظهر عليه في خطبه في المجالس العامة. أدانته محكمة كويتية عام 2004 بتهمة الإساءة لرموز إسلامية وحكمت عليه بالسجن 10 أعوام. خرج بعد 3 أشهر بعفو أميري، قيل عنه لاحقاً إنه خطأ إداري. انتقل إلى بريطانيا وهناك أسس جمعية "خُدّام المهدي" التي تمتلك ذراعاً إعلامية هي قناة فدك. يعد ياسر الحبيب أحد دعاة الشيعة المتطرفين الذين يؤججون صراعات سنية- شيعية بدعوى الدفاع عن مظلومية أهل البيت. يعيش ومن يتبعه في قوقعة تاريخية لا تعرف من الإسلام إلا ما نشب من خلافات بين خلفاء النبي، متوهماً أنه يدافع عن التشيع الأصيل. وصل به التطرف حداً هاجم فيه علماء شيعة بارزين هم في مرتبة المرجعية، مثل الراحل آية الله محمد حسين فضل الله والمرجع الأعلى الحالي آية الله علي السيستاني. أقام احتفالاً في قناته فدك عام 2010 بذكرى وفاة السيدة عائشة زوجة النبي محمد وإبنة خليفته أبي بكر، لاعناً إياها لدورها في الخلافات السياسية التي نشبت بعد وفاة النبي. وكاد الأمر أن يتطور إلى فتنة كبرى مما استدعى ردود أفعال عاجلة من علماء دين وقادة شيعة، وصدرت حينها فتوى من آية الله علي الخامنئيبتحريم الإساءة لرموز السنة.

ورغم الاستنكار الرسمي الشيعي لهذه الحادثة واعتبار آراء الحبيب لا تمثل إلا نفسه، إلا أن بعض القنوات السنية الطائفية تلقفت الأمر واعتبرته موقفاً شيعياً عاماً. فقامتقناة "صفا" بتسليط الضوء على هذا الاحتفال الذي لم تحضره إلا ثلة قليلة من أتباع الحبيب، وليس له سوابق في التاريخ الشيعي لاعتباره ممثلاً لطائفة بأكملها. وانطلق المقدم المعروف في تلك القناة، محمد صابر، يصف الشيعة بنعوت تبعدهم عن ملة الإسلام وتعمق الكراهية وتثير اللغط حول عقائدهم.

تكلف القناة الفضائية ما يقرب من 450 ألف دولار سنوياً. وفي تحقيق مفصل أعدته بي بي سي العربية عن قنوات الكراهية، توصلت إلى أن ممولي "فدك" الشيعية المتطرفة هم متبرعون أثرياء من العراق، فيما يمول "صفا" ثري كويتي هو خالد العصيمي. أماقناة أهل البيت، الممولة من تبرعات تأتيها من العراق والتي تبث من الولايات المتحدة الأمريكية بحسب مصادر البي بي سي، فإن مذيعها المعروف، حسن اللهياري، متخصص في تنوير الرأي العام بالمؤامرات التي حيكت ضد آل البيت قبل أربعة عشر قرناً، باعتبارها مفتاحاً لحل مشاكل الألفية الثانية. ومن الطريف أن القناة تخصص رقم اتصال للسنة وآخر للشيعة. جلّ ما يفعله هؤلاء نقاشات عقيمة تستند إلى كتب عتيقة تؤيد هذا أو ذاك في محاولة لإثبات ما لا ينفع أو نفي ما لا يضر.

تروج هذه القنوات لما يعرف في العالم بخطاب الكراهية Hate Speech. وهو خطاب يعرف قانونياً في الغرب على أنه: "أي خطاب أو تلميح أو تصرف أو كتابة أو عرض ممنوع لأنه قد يحرض على العنف أو على فعل مؤذٍ ضد شخص أو جماعة هم تحت حماية القانون. أو لأنه ينتقص أو يهدد شخصاً أو جماعة تحت حماية القانون."

لا حاجة لأن يطلب أحد هؤلاء "الدعاة" من أتباعه ومشاهديه علناً أن يقتلوا أبناء الطائفة الثانية، فشحن العواطف المذهبية، بكل هذا الكره ورفض الآخر وتصويره على أن وجوده في الأساس مخالف للرغبة الإلهية، تحريض كافٍ خصوصاً للشباب. ما حدث من قتل للشيعة في مصر، يونيو 2013، دليل واضح على ما يمكن أن يؤدي إليه خطاب التحريض. الحصانة ضد التطرف في بلادنا ضعيفة بسبب قلة الاطلاع، الانغلاق، ثقافة التقوقع على الذات، وعدم تقبل الآخر التي تنتشر بكثرة في المنطقة العربية. أضف إلى هذا آفة الخلل في الأولويات، فما تعانيه الشعوب العربية والإسلامية من مشاكل سببها الفساد والديكتاتورية، وسوء الإدارة وانعدام الحريات، لا حروب القرن الأول الهجري.

يمكننا أن نقول هنا بوضوح إن الترويج للطائفية تخدير لعموم الشعب وإعادة تشكيل للأزمات. الموضوع الطائفي تم استغلاله سياسياً وبنجاح منذ قرون. وها هو الآن يعود ليتصدر المشهد في العالم العربي الذي يشهد هزات عنيفة في أرجائه المتعددة، ولا يخلو أي منها من صبغة تطرف ديني أو مذهبي. فالقتل المذهبي الذي عانى منه العراق لا يزال مثالاً حياً. كما أن امتداد لهيب هذا السعار الطائفي إلى سوريا وانتشار فتاوى التكفير يجعلنا ندرك أي خطر يتهددنا نتيجة خطاب كهذا. بعض الدعاة لم يكتف بنشر خطاب النبذ للآخر، بل تعداه إلى إلغاء مفهوم الوطنية. فهذا طه الدليمي من العراق يتحدث في قناة "صفا" عن أن التشيع والتسنن "دينان لا يلتقيان" ويرى أن تمزيق الوطن أهون من تمزيق الدين، وأن العيش مع مواطن من مذهب آخر أصبح مستحيلاً.

قنوات دينية طائفية وأخرى حيادية

بعض هذه القنوات بدأت ترسم تلك العلاقة السياسية- الطائفية بشكل أوضح من مثيلاتها التي تركز على الكراهية المذهبية. فقناة "وصال فارسي" مثلاً تربط بين العداء للتشيع كمذهب إسلامي وبين الخلاف السياسي مع نظام الحكم في إيران. وهي تدعو علناً، على لسان محاورها الأول الشيخ أبو المنتصر البلوشي، إلى الإطاحة بنظام الحكم الإيراني. وعلى نسق ياسر الحبيب، أسس البلوشي، وهو من عائلة إيرانية سنية، اسمه الحقيقي عبد الرحيم ملا زاده، رابطة أهل السنة في إيران. وبعد أن خرج من إيران أكمل دراسة الفقه والشريعة وحصل على شهادة الدكتوراه من كلية الإمام الأوزاعي في بيروت. انتقل إلى لندن واشتهر بنقاشاته الحادة مع رجال دين شيعة على قناة المستقلة، التي جلبت الأنظار له وأهلته على ما يبدو ليدير قناة تدافع عن أهل السنة وتتصدى للتشيع كما يرى ممولوه من الخليج.

إن تحويل البشر إلى كائنات عدوانية ممكن إن أنت خاطبت عواطفهم واستثرت لديهم حمية الدفاع عن هويتهم الدينية والمذهبية. كل الشر يصبح ممكناً باسم المقدس. هذا ما نراه الآن ينتشر في عالمنا العربي وجزء مهم منه يعود إلى فضائيات يتفتق عنها أثير التكفير والتعصب يوماً بعد آخر. أموال تنفق لاستنهاض الهمم ضد الآخر من دين أو مذهب مخالف. في النتيجة يغفل المتلقي المشاكل الحقيقية التي تنال من إنسانيته وحقوقه المشروعة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ليعود 14 قرناً إلى الوراء ويحارب في معارك خاوية.

رغم كل الأموال التي تجود بها جيوب المتشددين وخزائن الدول، فإن الأمر في النهاية بيد المتلقي. هو الذي يمكنه أن يسأل نفسه حين ينتقل إلى هذه القناة أو تلك: هل نحن حقاً في حاجة لمزيد من الكراهية؟

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 07.04.2014

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
رجال الدين

التعليقات

المقال التالي