عن زمن التمرّد على العمامة

عن زمن التمرّد على العمامة

بدت صورة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد وهو يعزف على العود، بعد انتشارها على صفحات فايسبوك، مرفقة بالتعليق التالي "عندما لم تكن اللحية فريضة ولم تكن الموسيقى حرام"، كنوستالجيا غريبة ومحبَّبة. صورة تحمل الكثير من الدلالات الاجتماعية والثقافية والدينية، في زمن بات فيه بعض رجال الدين يتنافسون على إطالة لحاهم وحمل السلاح، ولا يتورع أنصار التشدد والتطرف منهم عن إطلاق فتاوى تحرّم الموسيقى والأغاني، حتى وصولهم إلى التجويد القرآني بصوت عبد الباسط، لأنهم يفضلون الصوت الخشن والخالي من النفحة النغمية المطربة. عبد الباسط الشيخ الشهير في تجويد القرآن وترتيله، الذي يجذب صوته المتدينين وغير المتدينين، كان يقول إن القرآن موسيقى الروح، وقراءته تحتاج إلى التلوّن النغميّ. لهذا درس الموسيقى، وكان من هواياته العزف على العود، كما لو أنه يتهيأ لإحياء أمسيات طربية. ربما كان يطرب نفسه في بيته، خصوصاً أن آلة العود وجدت لتستخدم في الأمسيات العائلية قبل أن تستخدم في الحفلات. ماذا لو غنى عبد الباسط بعض القصائد، كيف كانت لتكون ردة فعل الجمهور في زمانه؟ من خلال صورة عبد الباسط حاملاً عوده نستشف كم أن معمَّمي اليوم بعيدون كل البعد عنه، سواء في صوته أو هواياته أو حتى في صورته، وننتبه إلى أن عدداً كبيراً من المطربين والموسيقيين والأدباء المصريين كانوا أزهريين أو معمَّمين.

مع نهاية القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، حدثت نقلة موسيقية في مصر، كان معظم روادها من الشيوخ أو المعممين أو الذي مروا عبر الأزهر: عبده الحامولي،سلامه حجازي، سيد الصفتي، المنيلاوي، سيد مكاوي، محمد القصبجي، زكريا أحمد،حامد مرسي، صالح عبدالحي، وسيد درويش الذي كانت ثورته الموسيقية بمثابة الإيذان بتخليص الغناء المصري من الطابع الديني والإنشادي والتركي والغجري ورفده بمشاعر الحياة الاجتماعية العامة الغنية بالصور الواقعية والتعبيرية والحداثوية إذ جاز التعبير. هؤلاء الذين ذكرناهم أرسلهم أهلهم ليتعلموا القراءة عند مشايخ، لا يجيدون سوى قراءة القرآن وتجويده، ومن كان محظوظاً منهم، كان ينتقل إلى القاهرة، ليتعلم في "الأزهر" ويتخرج شيخاً معمماً. هؤلاء كانوا قبل أن يتحولوا إلى الغناء العاطفي، (وحتى "الماجن" عند بعضهم)، من خيرة المؤدين لقصائد المديح النبوي والإنشاد الصوفي وكبار المؤذنين في المساجد.

الكثير من رواد الثقافة المصرية كانوا معمّمين قبل أن يتماهوا مع موجة الحداثة والتيار الليبرالي، مثل الأديب طه حسين الذي خلع عمامته قبل أن يسافر إلى فرنسا، ولم يكن بفعلته قاصداً إعلان انفصاله الكامل عن ثقافته الدينية، بل تعبيراً عن طموحه لخوض معركته مع الثقافة الأوروبية. اشتهر حسين بميله إلى الثقافة الأفلاطونية خصوصاً في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، بل كان يمتدح الثقافة الفرعونية بوصفها نواة للثقافة المصرية. خلع طه حسين العمامة وخلعها معه عدد لا بأس به من زملائه الذين كان لهم تأثير في حركة الثقافة في مصر والعالم العربي، مثل أحمد أمين،وزكي مبارك، وأحمد حسن الزيات.

في لبنان، اشتهر المفكر حسين مروة بكونه الشيعي الجنوبي الذي خلع العمامة والجبة وأصبح شيوعياً في الخمسينيات من القرن الماضي. تحول من شيخ يقرأ الفقه وعلم الكلام والبلاغة والتاريخ إلى شيوعي ماركسي يقرأ التاريخ انطلاقاً من نزاعاته المادية أو من خلال المفهوم الطبقي الذي اعتمدته الماركسية. ما فعله حسين مروة أتى في مرحلة تخلى فيها بعض أبناء المراجع الدينية عن العمامة والجلباب والتدين والتحقوا بالأحزاب العلمانية، أو أصبحوا شعراء وأدباء مثل أبناء العلّامة محسن الأمين.

علاقة المطربين والكتاب المعممين (أو الذين تخلوا عن العمامة) بالسلطة الدينية لم تكن سهلة ولم تكن جيدة على نحو ما يتوهم البعض. فسيد درويش فصله الأزهر لأنه يغني في الأفراح، لكنه بقي يحمل لقب "الشيخ" حتى بعد أن خلع الجبة والعمامة وارتدى البدلة والطربوش. طه حسين تعرض للاضطهاد بسبب كتابه "في الشعر الجاهلي" وأجبر على إصداره بنسخة معدّلة بعنوان "في الأدب الجاهلي" حاذفاً بعض فصوله. دوّن كذلك سيرته الذاتية "الأيام" التي حاولت بعض المراجع الدينية المصرية منعها قبل سنوات لكونها تتطرق إلى الدين.

ما يمكن قوله من خلال صورة عبد الباسط، عازفاً على العود، هو أنها إشارة إلى أن المناخ الديني كان ملائماً نسبياً للانفتاح والتنوير، وسرعان ما تحول هذا الانفتاح تمرداً على الواقع، على عكس هذه الأيام التي انتشرت فيها العمامة مثل الحمّى، وبات بعض "المثقّفين" ينافسون رجال الدين في الفتاوى التكفيرية والتخوينية.

نشر على الموقع في تاريخ 25.09.2013

التعليقات

المقال التالي