شعب لا يعرف الـ”لا“

شعب لا يعرف الـ”لا“

يتميز السوريون بأنهم شعب لا يعرف أن يقول لا، لكن ليس القصد كما قد تفهمونه من أنه شعب لا يقول لا للقائد، ويكثر من ترديد نعم. هذا كان في الماضي، كسمة من سمات الشعب، لكن بعد الثورة اتضح أنها فقط سمة المنافقين والمدلسين المستفيدين على مرّ العصور وكل الأزمان، جماعة المنشار، الذين يأكلون على الرايح ويأكلون على الجاي.

 

قبل الثورة كان الصمت والصبر هما المفضلان لدى من يوجد في قلبه شيءٌ من “لا” لا تبح بـِ”لا”ئِكَ لأحد، فللحيطان آذان، والغدر من سمات الزمان، وكتابة التقارير تطعم المخبرين اللوز والسكر ولحم الضان، انتهاءً الآن بلحم الإنسان. لا تقل “لا” في زمن صار الطفل الوليد يهبط من بطن أمه وهو يحمل صورة القائد وعليها “بصمة” و”نعم”. لكن أية بصمات هذه، أي بشر هؤلاء، الراكضون في موكب الطغيان مهللين وراكعين، بل وساجدين فخورين بذلهم وهم يستعرضونه استعراضاً أمام الناس كي يكونوا النموذج الذي يقتدى به والمثال.

  

هذه النماذج والأمثلة هي التي كانت تتصدر حياتنا اليومية من المخبرين المستلمين للتكاسي والأكشاك والبسطات، مروراً بالموظفين المسيطرين على الدوائر والشركات، وانتهاء بالمدراء وهم يسلبطون على كل أشكال الحياة، ومنهم سيظهر النجوم في عالم الفن والأدب والغناء، حتى يسود الغثيان القادم من أمعاء النظام شكلَ الحياة العام.

  

كرهنا كلمة عام، كرهنا المؤسسة الاستهلاكية العامة، والمدارس العامة، والدوائر العامة، وصارت كلمة موظف في مؤسسة عامة من مؤسسات الدولة تعني لص وحرامي حتى يثبت العكس، وعاث أولاد الحرام فساداً حتى صار الناس يتنفسون الفساد، بل وبدأوا بالتعود عليه، بل والإدمان، وأقيمت المسابقات اليومية المعلنة للفساد، وفاز من فاز علناً وعلى عينك يا تاجر، وبات استعراض غنائم النهب غير مخجل، وصار التباهي بالسرقات فخراً وشرفاً.

  

سادت هذه الثقافة لردح طويل من الزمن، والشعب الذي في قلبه “لا” يردد في قلبه أيضاً حَ سيبك للزمن، ومنَّك لله، ويمهل ولا يهمل، إلى أن مات الضمير في الساحات العامة، فترحَّم عليه عديمو الضمير، ومشى القتلة في جنازة القتيل، ورفع أبو جهل راية الإسلام، وحمل بائعو الوطن رايته وراية حمايته، بل وصار الوطن تحت رحمة متعهدين وطنيين أخذوا وكالة لنهبه من الاستعمار الحديث.

  

نحن الآن في مرحلة الاستعمار الأحدث، مرحلة جماعة “من دهنه سقِّيلُه”، ومن شدة الوساخة فقد الشعب حاسة الحس، وتحول البحث عن لقمة العيش من مرحلة الهواية إلى مرحلة الاحتراف، وصارت البطالة والعطالة وهندسة الشوارع من صفات أبنائنا، وصارت الـ”لا” في غياهب القلوب مطمورة بالجلطات، ومن هنا فإن كلمة “لا” لم تعد مستخدمة في قواميس حياتنا اليوم، لكن ليس خوفاً من أحد، فقط خوفاً من المستقبل.

  

برعاية هذا الخوف صار من الصعب على سوري أن يقول “لا” لفرصة عمل. تسأله إذا كان يفهم في النجارة فيجيبك بأنه قضى حياته بين الخشب والمسامير. تسأله أن يؤمن لك شخصاً يفهم في المحاسبة فيقول لك أنا هو الشخص الذي يفهم في المحاسبة، أنا الذي قضيت في عدِّ النقود عمري. تسأله إذا ما كان يعرف الإنكليزية فيجيبك بنعم، لا يمكنه أن يقول لا. هل لديك خبرة في الهندسة الغذائية؟ طبعاً يا رجل، أنا مهندس غذائي، لكان!

  

اشتهيتُ أن أرى سورياً يقول أنه لا يفهم في هذه المصلحة، أو أنه لا يمكنه القيام بهذا العمل. أذكر أنني كنت خارج المنزل ذات نهار بعد أن أوصيتُ صديقي باسم بأن يأتي بمهندس يصلح الكمبيوتر. استلم باسم الكمبيوتر وبدأ يشوفِرْ عليه. قرر أن لا داعي لخبير يصلح الكمبيوتر فهو يستطيع القيام بذلك، وبعد أن اكتشفَ أن المشاكل التي في الكمبيوتر لن تسمح له بممارسة هوايته في التصليح، قرر أن يتصل بقريبه الفطحل، لكن لا جدوى فموبايله مغلق.

  

هبط باسم كما هبطت الملائكة إلى بلادنا من قمر صناعي ومضى باتجاه محل كمبيوترات فُتِحَ حديثاً. وجد رجلاً  في المحل وسأله إذا كان يستطيع إغلاق المحل ومرافقته إلى البيت لتصليح الكمبيوتر فأجاب بنعم، وخرج الإثنان إلى دارنا.

  

بدأ عالِم الكمبيوترات بمعالجة كمبيوتري بينما باسم يراقبه، وفي تلك اللحظة فتحتُ البابَ ودخلتُ، ويا لهول ما رأيت. هيثم الذي يعمل فوالاً عند فوال حارتنا أبو محمد يعالج كمبيوتري. ما إن رآني الفوال هيثم حتى قفز من أربعته من خلف الكمبيوتر بعد أن دارتْلُه أنني من سكان هذا البيت، وتذكر على ما يبدو عدد المرات التي اشتريت الحمص والفول من عنده فيها. عاجلته: شو صاير خبير  كمبيوتر أبو الهيس؟ فردّ: والله يا لقمان أنا بالأساس خبير كمبيوتر، بس لما أبو محمد الفوال كان بده شغيل فول معه، وسألني إذا كنت بعرف بمصلحة الفول والحمص ما قدرت أقلّه لأ. ما طلعِتْ معي.

التعليقات

المقال التالي