كلاسيكو الانتقالات بين الريال وبرشلونة

كلاسيكو الانتقالات بين الريال وبرشلونة

شكّل الموسم الاستثنائي الذي شهدته الليغا الإسبانية العام الماضي دافعاً كبيراً لعملاقَيْ أوروبا، جعلهما يسيطران من خلاله على سوق الانتقالات عبر بذخ متوازٍ وغير مسبوق، ضَمن لهما الحصول على نجوم الصفّ الأول.

فوز ريال مدريد Real Madrid بالعاشرة الأوربية بعد غياب، وخروج البارسا Barcelona خالي الوفاض بعد سطوة أوروبية ومحلية طويلة، وضع إدارتي الناديين أمام رهان كبير مع جماهيرهما العريضة، فالريال لن يقبل انتظار 11 سنة أخرى للظفر بالأذنين الطويلتين نفسيهما، والبارسا لا يمكنه أن يمنح جماهيره خزينة فارغة من الكؤوس للموسم الثاني على التوالي، في الوقت الذي يظهر أتلتيكو مدريد بمظهر الهادئ الواثق، غير المطالب بأكثر مما فعله في الموسم الماضي.

الملايين التي أنفقها طرفا الكلاسيكو في سوق الانتقالات الذي لم يغلق أبوابه بعد، دفعت الكثيرين للتساؤل عن جدوى قوانين اللعب المالي النظيف، التي فرضها الاتحاد الأوروبي، والتي يجب أن تحدّ من حجم الإنفاق وتردم الهوة بين مصاريف الفرق الكبيرة والصغيرة. إلا أن نظرة من زاوية أخرى، تظهر مدى تحول كرة القدم إلى تجارة كاملة الأركان يديرها بحرفية عالية رؤساء الأندية بمساعدة خبراء اقتصاد وتسويق.


النادي الملكي قصّ شريط انتقالاته هذا الموسم بالتعاقد مع توني كروس Toni Kroos أحد أفضل لاعبي خطّ الوسط في الكأس العالمية الأخيرة مقابل 40 مليون دولار دخلت إلى خزائن بايرن ميونخ Bayern Munich، اتبعها بأكثر من 100 مليون دولار لموناكو Monaco مقابل الحصول على خدمات هدّاف كأس العالم الكولومبي جاميس رودريغز James Rodríguez، ومن ثم ظفر المرينغي بتوقيع الصقر الكوستاريكي كيلور نافاس Keylor Navas الذي تألق في حراسة مرمى منتخب بلاده في كأس العالم، قادماً من ليفانتي Levante مقابل 13 مليون دولار، ليصبح مجموع ما أنفقه النادي حوالي 160 مليون دولار كثاني أكثر المنفقين في سوق الكرة الأوروبية حتى الآن.

download (24)

فلورينتينو بيريس Florentino Pérez رئيس النادي الأعلى قيمة في العالم بحسب بيانات فوربس Forbes، وهو سياسي ومقاول ناجح، سرعان ما رسم ابتسامة المنتصر أمام انتقادات الصحافة العالمية حيال المبالغ الطائلة التي تمّ صرفها، فاسترجع أول 26 مليون دولار من صفقة بيع المهاجم الشاب ألفارو موراتا Álvaro Morata إلى اليوفي، قبل أن يضيف 40 مليون دولار كعائد سنوي من طيران الإمارات الراعي الرسمي للنادي.

"لا شيء مربح أكثر من التعاقد مع نجم"، هي جملة يعتبرها بيريز شعاره في سوق الانتقالات. فالملايين المئة التي دفعها ثمناً لرودريغيز، ما لبث أن استعاد حوالي 25 بالمئة منها عبر بيع حوالي 345 ألف قميص طبع عليه اسم ورقم رودريغيز خلال 48 ساعة، وهو رقم قياسي غير مسبوق، ضمن للنادي الحصول على حوالي 33 مليون دولار على اعتبار أن سعر القميص الواحد 133 دولاراً تقريباً (نصفها لأديداس Adidas).

download (25)


"لا تهمّ القيمة المدفوعة. سنستردها خلال عامين أو ثلاثة"، الشقّ الثاني من شعار بيريز الذي يبدو أنه يسعى من خلاله إلى المزيد من الصفقات، وما يدعم موقفه هو عودة حوالي 76 مليون دولار إلى الخزينة بعد الفوز بدوري الأبطال، بالإضافة إلى عائدات النقل التلفزيوني التي تتجاوز الـ225 مليون دولار كل موسم (عائدات الموسم الماضي لم تصدر رسمياً بعد).

بجردة حساب بسيطة، نجد أن بطل أوروبا لا يزال يملك ميزاناً تجارياً رابحاً جداً في الوقت الحالي، دون أن نذكر مكافآت الدوري الإسباني وكأس إسبانيا والجولات الصيفية وإعلانات اللاعبين التجارية.

لا يقل البارسا حظاً مالياً وجودة تسويقية عن غريمه ريال مدريد، ولولا أن الفريق الإداري لم يكن متأكداً من الجدوى الاقتصادية (إلى جانب الفنية) من التعاقد مع لاعب مُعاقَب لنصف موسم، لما دفع 108 مليون دولار لليفربول Liverpool مقابل الحصول على خدمات سواريز Suárez الذي أصبح أغلى لاعب في تاريخ النادي.

بعد أن استقدم النادي الكتالوني سواريز، استبدل حارسي المرمى فالديز Valdés وبينتو Pinto بكل من الألماني تير شتيغنTer Stegen والتشيلي كلاوديو برافو Bravo (بـقيمة 16 مليون دولار لكل حارس)، بالإضافة إلى استقدام الكرواتي راكيتيتش Rakitić من اشبيلية مقابل ما يقارب 27 مليون دولار بحسب تقديرات الصحافة الإسبانية بعد تحفظ الناديين على ذكر المبلغ. ولم يكتفِ البارسا بذلك، فأضاف إلى قائمته مدافعاً هو الفرنسي جيرمي ماتيو Mathieu الذي غادر فالنسيا متوجهاً إلى كامب نو مقابل 27 مليون دولار أيضاً.

download (26)

هذه الصفقات جعلت البارسا بقيادة بارتيمو Bartomeu وزوبيزاريتا Zubizarreta على رأس قائمة الفرق الأوروبية التي أنفقت في سوق الانتقالات حتى الآن رصيداً بلغ ما يقارب 192 مليون دولار.

علمية الموازنة بدأتها إدارة البارسا بالاتفاق مع المدرب الجديد لويس إنريكي، فباعت النجمين الإسباني سيسك فابريغاس Fàbregas الذي عاد إلى إنكلترا من بوابة تشلسي Chelsea مقابل 44 مليون دولار، والتشيلي أليكسيس سانشيز Sánchez إلى آرسنال Arsenal مقابل 58 مليون دولار.

download (27)

البارسا ضَمن بهاتين الصفقتين استعادة 100 مليون دولار، بالإضافة إلى نحو 42 مليون دولار تدخل خزينة البلوغرانا كعائد سنوي من الخطوط الجوية القطرية، الراعية الرسمية للنادي، فضلاً عن مبلغ مشابه للذي يحصل عليه النادي الملكي من عائدات النقل التلفزيوني، هذا عدا قائمة طويلة من المكافآت المتعلقة بالدوري الاسباني ودوري الأبطال والجولات التحضيرية والإعلانات التجارية، من دون الحاجة لذكر أن البارسا حقق أرباحاً وصلت إلى 150 مليون دولار خلال المواسم الأربعة الماضية.

أكيد أن سوق الانتقالات بالنسبة للعملاقين لم تنته بعد، وفي ظلّ وجود المداخيل الخرافية مقارنة ببقية الفرق، تبقى قوانين اللعب المالي النظيف أمراً هامشياً وغير مؤثر لمتصدر ووصيف قائمة أغنى أندية العالم، ولا يبدو أن الاتحاد الأوروبي سيكلف نفسه عناء تطوير هذه القوانين على الرغم من هشاشتها ما دامت عجلة الاقتصاد الكروي تمنحه ما يريد هو أيضاً، في الوقت الذي يتشارك عشاق كرة القدم في دفع كل هذه الأرقام الفلكية بطيب خاطر.

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

التعليقات

المقال التالي