الحصار الإلكتروني في سوريا

الحصار الإلكتروني في سوريا

ليست برامج الخدمات الوسيطة Proxy Server أمراً جديداً أو غريباً على السوريين، وليست وليدة حاجة مستجدّة، فمنذ فجر الإنترنت في سوريا، ومستخدمو هذه الشبكة معتادون منعهم من استخدام العديد من المواقع والبرامج بسبب بقعتهم الجغرافية. أكثر المواقع انتشاراً في سوريا، لم تصبح كذلك إلا بعد جهدٍ جهيد، ومعارك طويلة مع حجبها وإطلاق سراحها.

عصر الألترا سيرف

موقعا فيسبوك ويوتيوب بقيا محجوبين حتى مطلع عام 2011، لترفع الحكومة الحجب عنهما في فبراير 2011. بقيا على هذه الحال حتى اليوم، مع صعوبات متقطعة تمرّ كل فترة في تصفحهما. لكن الحجب المطبق على معظم المواقع لم يرفع، وبات يتزايد باضطراد في المدّة الأخيرة، ليشمل مواقع كانت في الأمس من أكثر المواقع الإلكترونية متابعة لدى السوريين، وكان آخرها موقع سيريا نيوز، الذي احتل الترتيب الأول في التصفح بضع سنوات دون منافس، إضافة إلى استمرار حجب موقع ويكيبديا باللغة العربية، وغيره من المواقع الأساسية لمستخدمي الإنترنت في دولٍ أخرى.

 

download

لم يقف الأمر عائقاً في وجه السوريين، إذ بدأت تنتشر أرقام برامج الخدمات الوسيطة. كان قرار إنشاء حساب على فيسبوك يترافق مع تحميل برنامج ألترا سيرف الذي ظل الأكثر رواجاً لفتراتٍ طويلة. الأمر لا يزال على حاله اليوم، وإضافة إلى المواقع المحجوبة أصلاً، تضاف مئات المواقع يومياً إلى قائمة الحجب، برغم عدم ارتباط بعضها بالشأن السوري، مثل الحجب المتقطع الذي يصيب موقع ساوندكلاود. ظلت الحاجة إلى برامج الخدمات الوسيطة قائمة، سواء للتمكن من تصفح المواقع المحجوبة، أو بسبب اختلاف نشاطات السوريين عما قبل 2011، وحاجة الكثيرين منهم للحفاظ على سرية هويتهم على شبكة الإنترنت.

معركة تحديث الهاتف

الطرف الآخر لا يبدو أكثر لباقة في التعامل مع الحقوق الإلكترونية للسوريين، فبعد حزمة العقوبات التي أقرتها مجموعة من الدول الغربية على سوريا على دفعات، اضطرت بضع شركات أمريكية لحجب عدد من خدماتها. ليست هذه العقوبات الأولى من نوعها، إذ كانت تطبق سابقاً عقوبات أقل وطأة، كاضطرار السوريين مثلاً إلى تغيير بلدهم لدى تعداد معلوماتهم الشخصية، ليتمكنوا من استخدام برنامج Live Messenger للمحادثة.

من أكثر الخدمات المحجوبة انتشاراً في سوريا اليوم App Store المخصص لشراء وتحميل برامج منتجات آبل، وغوغل بلاي Google Play المزود الأساسي لبرامج الآندرويد، إضافة إلى Blackberry World صاحب الوظيفة المماثلة لهواتف بلاكبيري. تشمل العقوبات كذلك جميع الخدمات المدفوعة وبعض الخدمات المجانية، مثل Google Analytics المخصص لمراقبة أرقام تصفح المواقع الإلكترونية، إضافة لعدم القدرة على شراء نسخة أصلية من نظام تشغيل ويندوز، أو تحديث معظم مضادات الفايروسات.

download (1)

من الممكن تجاوز هذه العقوبات بأساليب مشابهة لتلك المستخدمة في وجه الحجب الحكومي أحياناً، ولكن ذلك يبقي على احتمال توقف البرنامج لاحقاً عن العمل. كما أنّ صعوبة استخدام هذه البرامج أحياناً – خصوصاً في ما يتعلق بالهواتف الذكية – يجعل أساليب استخدام الأجهزة المختلفة مغايرة لتلك المستخدمة في أنحاء العالم.

مطالب مؤجلة

بالإضافة إلى بعض العقوبات الأوروبية، فإن أساس حجب هذه الخدمات هو حزمة العقوبات التي أقرّها الكونغرس ووزارة الخزانة الأمريكيان على سوريا مع تصاعد الصراع. هذه العقوبات دفعت عدداً من السوريين لطرح عريضة إلكترونية يطالبون فيها الإدارة الأمريكية برفع بعض العقوبات أو تخفيفها. دلشاد عثمان، أحد القائمين على هذه العريضة، التقى بعدها عدداً من المسؤولين الأمريكيين. يقول: "أخبروني بأن الأمر معقد جداً، فهو متعلق بقرار صادر عن البنتاغون، بالإضافة لوثيقة مقدمة من وزارة الخارجية". ردّ وزارة الخزانة كان السماح لمنظمات المجتمع المدني السورية، بالإضافة لجهات معينة من المعارضة، بطلب استثناء من العقوبات، "وهذا ليس ما طالبنا به في الحملة"، يضيف عثمان.

الكثير من الأعمال تعرضت لأضرار أو تعطلت بسبب هذه العقوبات، على رأسها خدمات استضافة المواقع، التي تعود بشكل أساسي لعدم توفّر بطاقات الدفع الإلكترونية الضرورية لتسديد أجور هذه الخدمات، بسبب العقوبات المالية التي شملت عدداً من أنشطة المصارف السورية. الحلول بدايةً كانت عن طريق لبنان، الذي امتنعت مصارفه في ما بعد عن فتح حسابات بالدولار الأمريكي للسوريين، فأصبح على مقدم خدمات الاستضافة اللجوء إلى شخص لبناني أو سوري آخر في بلد تسمح له باستخدام الدفع الإلكتروني بالعملات الرئيسية.

الأمر امتدّ لمهن أخرى ولو بكمية أضرار أقلّ، فشراء المنتجات الإلكترونية بات شبه مستحيل، الأمر الذي يتسبب بتعطيل عمل الكثيرين، مثل مصممي الغرافيك الذين يحتاجون لشراء صور أو خطوط عربية أو إنكليزية عبر الإنترنت. تعرض أيضاً حجز بطاقات الطيران لأزمات عميقة، خصوصاً لدى المكاتب الوسيطة التي لا تمثّل شركة طيران بذاتها، ومختلف الشركات الأخرى التي تعتمد على التحويل الإلكتروني للأموال، والتي باتت مضطرة الآن للتعامل مع الحوالات المالية التقليدية.

بعد سقوط حكومة صدام حسين على يد الغزو الأمريكي، لم يتم رفع العقوبات عن العراق مباشرة، واستمر الكثير منها حتى عهد أوباما، سواء كانت عقوبات أممية أو أمريكية. الوضع السوري لا يبشر بنهاية قريبة للصراع، والمؤكد أن هذه العقوبات ستستمر وتزيد الوضع تعقيداً عند نهايته، سواء من حيث القيود التي تفرضها على مختلف الأعمال، أو من حيث صعوبة التخلص منها، وما عليها أن تمرّ به من قرارات حكومية غربية تستغرق عادةً الكثير من الوقت. المؤكد إلى الآن، أن خدمات الإنترنت في سوريا ليست بالسلاسة التي هي عليها في مختلف دول العالم، وكما هو كل شيء داخل سوريا، لا بد من المرور بوسطاء للحصول عليها.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

التعليقات

المقال التالي