صراع الدولة والمجتمع المدني في المغرب

صراع الدولة والمجتمع المدني في المغرب

جدلٌ كبيرٌ ذلك الذي فجّرته اتهامات وزير الداخلية المغربية محمد حصاد قبل أسابيع، للمجتمع المدني المغربي بتنفيذ أجندات أجنبية، وبتلقّي تمويل خارجي للإضرار بصورة جهاز الأمن واتهامه بممارسة التعذيب مستغلين ما وصفه بـ"أجواء الانفتاح" التي يعيشها المغرب. إذ ردت الجمعيات المغربية (الحقوقية منها خاصة) بقوة بمطالبة الوزير بالاعتذار الرسمي عن هذه الاتهامات مهددةً برفع دعوى قضائية عليه، مفتتحة من جديد ملف العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني.

وكانت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان- وهي جمعية حقوقية معارضة- أكثر الأطراف استهدافاً في تصريحات وزير الداخلية المغربي. اعتبر أعضاء الجمعية أن هذه الاتهامات محاولة لتبخيس العمل الحقوقي وجعله موضع شبهة، كما ردت الجمعية على “تهمة” التمويل الخارجي بالقول بأنها كباقي الجمعيات لا تتلقى تمويلاً أو هبة من أي جهة، بل إنها تعقد شراكات متكافئة مع هيئات حكومية أو وكالة إقليمية ودولية، وهو ما تقوم به أيضاً المؤسسات والقطاعات الحكومية.

جمعيات عدّة اعتبرت أن هذه الاتهامات تطرح أكثر من علامة استفهام عن شعارات الدولة التي تتحدث عن الشراكة مع المجتمع المدني. رئيسة جمعية عدالة جميلة السيوري رأت أن هذه التصريحات تسيء للدولة المغربية في الداخل والخارج وليس إلى الجمعيات، وأضافت: "لا يمكن للحكومة أن تبرر فشلها في إيجاد مقاربة سليمة تعتمد في علاقتها مع مكونات النسيج الجمعوي على الاعتراف بالمجهود الذي تبذله الجمعيات الحقوقية في تحسين صورة المغرب في الخارج، باتهامات لا أساس لها من الصحة... التمويلات التي تتلقاها الجمعيات الحقوقية تدخل في إطار تنفيذ البرامج التي تقدمها الجمعيات الحقوقية للمؤسسات والهيئات الدولية، والتي تكون خادمة للاتفاقات التي يوقع عليها المغرب. الدولة من جهة تتقاسم مع الجمعيات الحقوقية الأموال التي تتلقاها من مؤسسات وهيئات دولية في إطار تنفيذ برامج واضحة الأهداف، وفي المقابل تخرج علينا في شخص وزير الداخلية بتصريح يشكك في مصداقية الحركة الحقوقية، فسؤالنا هو أين تصرف الدولة الـ42% من الأموال التي تقتطعها على شكل ضرائب من هذه الأموال التي تشكك في مصادرها؟".

في هذا السياق، كانت الحكومة التي يقودها الإسلاميون قد أطلقت طوال السنة الماضية حواراً وطنياً حول "المجتمع المدني وأدواره الدستورية"، صدرت عنه قرابة 140 توصية بهدف معالجة الاختلالات التي يعرفها المجال بحسب تصريحات المسؤولين الحكوميين، وشملت تلك التوصيات بضع نقاط، بينها: تكريس استقلالية الجمعيات عن الأحزاب والدولة، اعتماد الديمقراطية والحكامة داخل الجمعيات، وضمان الشفافية في التمويل.

لكن عمل هذه اللجنة كان محطّ انتقادات كبيرة من أطراف واسعة داخل المجتمع المدني المغربي من قبيل هيمنة الاعتبارات الإيديولوجية على الحوار وإغراق اللجنة بممثلي القطاعات الحكومية والمقربين من حزب العدالة والتنمية، ما دفع بضع جمعيات وهيئات حقوقية وازنة إلى إعلان انسحابها منه.

هذه المحاولات الحكومية الموحية بمحاولة السيطرة على المجتمع المدني وتضييق حدود تدخلها، دفعت الجمعيات المنخرطة في دينامية إعلان الرباط إلى إطلاق حوار مدني غير حكومي بالموازاة مع الحوار الرسمي، توصلت فيه الجمعيات إلى جملة خلاصات، بينها: ضرورة استثمار الزخم النضالي الذي عرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة للدفع بإصلاحات عميقة وإرساء ممارسة ديمقراطية حقيقية، وجوب تمكين المجتمع المدني من آليات بلورة تتبع وتقييم السياسات العمومية بشكل مستقل عن قرارات الدولة، أهمية تفعيل مقتضيات دستور سنة 2011، وضرورة المراجعة الجذرية لفلسلفة ومرجعية قانون الجمعيات.

علاقة الدولة المغربية بالمجتمع المدني مرت ببضع مراحل، من الرفض إلى القبول المشروط إلى الاحتواء والضغط، إذ عملت الدولة في حقبة السبعينات من القرن الماضي على مواجهة الجمعيات ذات التوجه اليساري، التي كانت تقض مضجع الدولة بسبب نضالاتها الحقوقية وانتقادها اللاذع لوضع حقوق الإنسان في البلاد. قبل أن تتوجه الدولة ابتداء من مطلع التسعينات إلى خلق جمعيات تابعة لها لصدّ مدّ الجمعيات المعارضة ومنافستها، ودعمتها بشكل كبير سواء على المستوى المادي أو على المستوى اللوجستيكي، كما عمدت بعد ذلك إلى محاولة احتواء ما تبقى من المجتمع المدني عبر دفعه إلى المشاركة في مشاريع حكومية. ومع بداية الألفية الجديدة لمسنا اتجاهاً من الأحزاب السياسية المقرّبة من السلطة إلى ولوج العمل الجمعوي بهدف جني فوائد انتخابية.

وبرغم تطور المجتمع المدني المغربي في العقد الأخير، ودفعه الدولة إلى اعتماد وسن قوانين تستجيب لمطالبها في مجالات المرأة والأسرة، فلا يزال هذا المجتمع غير فاعل وضعيف وفق ما كشف عنه أخيراً تقرير فرنسي صادر عن كلّ من منظمة "التنمية وأرض التضامن" ومعهد الدراسات الدولية، وفيه أن المغرب في المرتبة 31 من بين 41 بلداً شملتها هذه الدراسة.

هكذا إذن تجد جمعيات المجتمع المدني نفسها مرة أخرى في موقع صراع مع الدولة، إذ ترى الجمعيات أن الدولة تتصرف بعيداً عن بنود التعديلات الدستورية الأخيرة التي نص الفصل الثاني عشر منها على:"أن تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد القرارات والمشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية"، إضافة إلى الفصل الثالث عشر الذي يقضي بأن: "تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية".

التعليقات

المقال التالي