العادات الرمضانية في السودان

العادات الرمضانية في السودان

يبدو أن حياة المدينة الحديثة والأوضاع الاقتصادية اللاهبة تسحب، رويداً رويداً، البساط من تحت تقاليد رمضانية راسخة في وجدان السودانيين كـ"برش رمضان" وصوت المنادي "تعال يا زول. افيق اتفضل علي برشنا بي جاي".


لقد ظلّ "برش رمضان" طوال عقود موجوداً في الذاكرة الجماعية السودانية. هو سجاد شعبي يُصنع من جريد النخيل المنتشر في أجزاء واسعة من شمال السودان. وعلى الرغم من أن استعماله اليوم تراجع لمصلحة السجادات العصرية، فلم يزل مكان الإفطار يحمل اسمه، وهو يُفترش في الطرق وأمام المنازل في أنحاء عدّة من البلاد.


مع تزايد الضغوط العملية والاقتصادية، تلاشى هذا التقليد حتى أصبح منسياً في الأحياء الراقية لاسيّما في الخرطوم، مثل الرياض والمنشية والطائف وغاردن سيتي، لكنه لا يزال صامداً، ولو على استحياء، في الأحياء الشعبية.

ماضياً، كانت الموائد تمتدّ على الطرق والأزقة والساحات، وكلها تتشابه. تتميّز المائدة الرمضانيّة في السودان بأطباق رئيسيّة عدّة تختلف من منطقة إلى أخرى كـ"العصيدة"، وهي مكونة من دقيق ذرة يطبخ مع الماء، و"القراصة"، وهي عجينة مؤلفة من القمح تخبز على صاج وتأتي على شكل دائري سميك وتقدم مع "التقلية" المكوّنة من اللحم المجفف المطحون والمطبوخ مع البصل والصلصة.

كذلك، اشتهر عصير "الحلو مرّ" الذي لا تكاد تخلو منه المائدة الرمضانيّة في أي منزل سوداني، حتى في المهجر. يُعدّ هذا المشروب التقليدي يدوياً، وغالباً ما يجري إعداده قبل أشهر من رمضان نظراً لصعوبة صنعه. يتمّ أولاً غسل الذرة ونقعها في الماء مدة يوم كامل، ثم تُفرش على خيش رطب على الأرض وتغطى بقطعة خيش أخرى رطبة أيضاً. وتُترك ثلاثة أو أربعة أيام على أن تُرشّ بالماء يومياً حتى تنبت. حينذاك، توضع تحت أشعة الشمس لتجفّ وتطحن. بعد ذلك، تبدأ عمليّة إعدادها بصبّ الطحين على صاج كبير، هو عبارة عن قدر ماء مغلي، تضاف إليه الخميرة أو عجين كسرة سودانيّة. ويترك المزيج مدة يوم أو يومَين.

قبل مرحلة "العواسة"، أي الطهو الشبيه بالخبز، تُضاف إلى الكتلة المكوّنة المتماسكة مجموعة من البهارات وعصير الكركديه والعرديب لمنحها اللون الأحمر. تعتبر عمليّة "العواسة" طقساً في ذاته، إذ يتداعى الجيران والأهل في ظاهرة اجتماعيّة ويتناوبون على العواسة التي تعدّ قاسية ويستغرق إعدادها ست ساعات. ينقع الحلو مرّ بعد عواسته في الماء بين ساعتَين وثلاث ساعات، قبل أن يصبح جاهزاً للتقديم.

ولكن، مع الضغوط الاقتصادية التي يتعرض لها السودانيون منذ انفصال جنوب السودان ومعه ثلثي انتاج النفط السوداني، ومع تزايد الفروق الاجتماعية، باتت غالبية الأسر تكتفي بضروريات الحياة فقط. عاماً بعد عام، يدخل السودانيون في اختبارات صعبة تتعلق بارتفاع أسعار الغذاء والنقل والملابس بصورة غير مسبوقة، وتتضاءل الآمال في العودة إلى ماض نعم ببعض البحبوحة.


لكن على الرغم من كلّ المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية على مرّ السنوات، استطاع أهل الريف الحفاظ على تقاليدهم التي تُترجم المعاني الاسلامية في التكافل والتراحم واكرام الضيف والفقير وعابر الطريق، وهي كلها معانٍ تجسد روح التضامن والتآلف في المجتمع السوداني.


خلال هذا الشهر الفضيل، أصيب القائم بالأعمال الأمريكي لدى الخرطوم جيري لان إيير Jerry Lan Eir بالدهشة حينما أحاط بسيارته وسيارات مرافقيه، إبّان جولة خارج الخرطوم، حشود من الشباب طلبت منهم المشاركة في موائد الإفطار المُعدّة على جانب الطريق لإطعام العابرين. فكتب الدبلوماسي الأمريكي يومذاك حكاية تسابق السودانيين إلى إكرام الضيف في رمضان.

مما لا شكّ فيه أن رمضان في السودان يُشكّل موسماً سياسياً بامتياز، إذ تُنظّم الأحزاب والمنظمات والسفارات ومؤسسات التعليم وغيرها، موائد وإفطارات وتوجّه الدعوات إلى كل من يُسهم في مهمّتها الاجتماعية والسياسية. نلاحظ كذلك تسابقاً بين الطوائف الدينية لاغتنام الشهر الكريم وطرح الرؤى والقضايا المختلفة على مائدة الإفطار، كما هو حال الكنيسة القبطية التي تحرص، كل عام، على إقامة إفطار جماعي يحضره الرئيس السوداني عمر البشير وكبار مساعديه.


يبقى أنّ شهر رمضان عزيز على قلوب السودانيين لأنه يرتبط بلمّ الشمل والسهرات العائلية التي تضفي على ليالي السودان حيوية نادرة افتقدها هذا البلد بسبب أزماته المتعددة.

التعليقات

المقال التالي