كيف يتعامل المغرب العربي مع المفطرين في رمضان؟

كيف يتعامل المغرب العربي مع المفطرين في رمضان؟

تصرّفت السلطات الجزائرية هذه السنة بشكل مختلف مع المفطرين جهراً في رمضان، وأتاحت للمجموعات التي تنادي بضرورة احترام حرية الدين والمعتقد في بلد يتّخذ الإسلام ديناً رسمياً، بالقيام بتظاهرتين في مدينتي تيزي وزو في منطقة القبائل وأوقاس في ولاية بجاية المجاورة، متغاضيةً عن كون عناصرها يتناولون الطعام علناً ويدخنون السجائر. في المقابل، ما زال المفطرون جهراً في رمضان في المملكة المغربية المجاورة يتعرضون للعقوبات، وحُكم على عدد منهم بالحبس مدة ستة أشهر.

قبل أربعة أعوام كانت قسوة السلطات الجزائرية على من تقول إنهم "ينتهكون حرمة شهر رمضان"، مثار سخط كبير في بعض العواصم الأجنبية، وتناولت تقارير كثيرة الجزائر بالنقد على وقوفها في وجه الحريّات. لكن ما جعل السلطات تتعامل بليونة مع المفطرين هذا العام ليس رغبتها في تحسين صورتها، بل خشيتها من أن تنقلب تصرفاتها عليها، إذ إن المفطرين في ساحة الزيتونة في مدينة تيزي وزو، الذين لم يتوانوا في التحرّك علناً دفاعاً عن الحرية الدينية، هم فئة من أنصار حركة الحكم الذاتي في منطقة القبائل في الجزائر، وهي حركة شبه انفصالية، تطالب بفصل الدين عن الدولة ومنح سكان المنطقة حريات أكبر. لم تشأ السلطات التعرّض للمفطرين بطريقة عنيفة وتركت أمر الردّ عليهم لغير الجهاز الحكومي، حتى لا تثير حفيظة أتباع الحركة.


لطالما تعاملت السلطات الجزائرية بقسوة مع المفطرين، فحاكمت مثلاً ستة منهم في سبتمبر 2010 كانوا يتناولون الطعام داخل مرآب في مدينة أوزلاغن بولاية بجاية. وفي السنة نفسها، اعتقلت مفطرين أثنين في مدينة عين الحمام بولاية تيزي وزو، لكن أُفرج عن "المذنبين" بعد المحاكمة، التي اعتبر حقوقيون أن لا أسس قانونياً لها. لا مدّة محدّدة للعقوبة التي تنفّذ على المفطرين، فقد حُكم على الشاب فارس بوشواطه مثلاً في 2010 بالسجن مدة عامين في منطقة البواقي شرق الجزائر، في حين حُكم بأربع سنوات سجناً على أربعة مفطرين في منطقة بسكرة.

فضّلت السلطات الجزائرية هذه السنة البقاء متفرجةً عندما تظاهر مطالبون بتوفيرالحرية الدينية، في ساحة الزيتونة في وسط مدينة تيزي وزو، غير بعيد عن المقر المركزي للشرطة والمجلس القضائي. وتجمّع خصوم المتظاهرين في المكان نفسه عند موعد الإفطار من يوم الجمعة، في تظاهرة مضادة حضرتها رموز التيار السلفي في الجزائر مثل عبد الفتاح زراوي قائد حزب الصحوة الحرة والرجل الثاني في حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة علي بلحاج. رد الإسلاميون والسلفيون بقوّة العدد على المنادين بالحقّ في الاختلاف، وحين رأى وزير الشؤون الدينية أن صوم رمضان مثل بقية العبادات، شأن خاص بين الإنسان ومعبوده، غضب شيوخ الإسلام السياسي، واتهموا الوزير بالتفريط في ركن أساسي من أركان الإسلام ومن شروط قيام الدولة التي يرون أن عليها "حفظ دين الأمة" مثلما قال عبد الله جاب الله، زعيم حزب التنمية والعدالة الإسلامي.

أمّا في الجارة المغرب، فقد صدرت ضد خمسة مفطرين عقوبات قاسية مع بداية شهر يوليو. نقلت وسائل إعلام مغربية عن القاضي قوله إنه لو كانت النصوص القانونية تسمح بتسليط أكثر من تلك العقوبة لما تردد في توقيعها على الشبّان الخمسة الذين تناولوا الطعام علناً خلال النهار في بلدة سيدي علال التازي الريفية. على عكس القانون الجزائرى، ينص القانون المغربي على معاقبة من يفطر في رمضان بالسجن ما بين شهر واحد وستة أشهر، وقال القاضي: "نال قرويو القنيطرة أقسى العقوبة الممكنة".

في مواجهة هذا الوضع، أطلقت مجموعة من المغاربة حركة بديل من أجل الحريات الشخصية التي تطالب رفقة مجلس المسلمين السابقين بحريّة الإفطار شهر رمضان. يقول نشطاء التنظيمين أن من حقهم كمغاربة غير مسلمين أن يتناولوا الطعام والشراب علناً خلال النهار، بدون أن تضايقهم السلطات أو حتى المواطنون.

وكان الإسلاميون في تونس قد بدأوا العام الماضي حملة مضايقات استهدفت الذين يفطرون في رمضان، فراحوا يرصدونهم ويتحرشون بهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. طالب رجل دين تونسي كذلك بوضع كاميرات مراقبة في الأماكن العامة، لكن الوضع في تونس العاصمة لم يبلغ مرحلة المحاكمة والزج بالمفطرين في السجن.

تبرّر السلطات حملاتها ضد المفطرين بحرصها على صون الآداب والأخلاق العامة وتجنب إيذاء مشاعر الصائمين عند الإفطار جهراً في رمضان، وهي تتغاضى عن الذين يفطرون بطريقة خاصة مستترين خلف جدران بيوتهم أو في أماكن خاصة. دعا ناشطون في الجزائر السلطات إلى التساهل مع أصوات الاختلاف، وطالبوا من الإسلاميين التعامل بطريقة حضارية مع الآخرين إن كانوا فعلاً يريدون تقديم صورة مشرقة عن الدين السمح الذي يلتزمون بتعاليمه.

لكن تلك الدعوات لم تجد مصغياً بسبب هيمنة فكرة الأحادية وتجذرها من خلال شعارات "الأمة الواحدة والدين الواحد والوطن الواحد واللغة الواحدة" واعتبار الكثير من الساسة أن السماح للناس باللإفطار جهراً في رمضان يمسّ بالتماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية، وكأن في هذا الفعل الشخصي خطراً على الأمن القومي!

التعليقات

المقال التالي