مثقفون عرب يغرقون في المونديال

مثقفون عرب يغرقون في المونديال

ابتعد كثير من المثقفين العرب عن الشأن العام لينخرطوا في أحداث المونديال، بل تحوّلت منشوراتهم إلى مباراة ملأى بالدعابة والمرح مُفرَغيْن في تشبيهات سياسية مرتبطة بالوضع الراهن.

تعقيدات الأحداث الساخنة التي تشهدها المنطقة وانعدام أفق الحل دفع بعدد من من المثقفين إلى الاتجاه نحو السخرية وتناول تفاصيل كأس العالم بأسلوب جدي يستبطن الفكاهة، وهذا قلما يحدث في الوسط الثقافي العربي بهذا الشكل الجماعي.

ثمة أسلوب ثقافي يولد بعيداً عن الكليشيهات الجاهزة، أسلوب أكثر ديناميكية في التعاطي مع الواقع وتناول التفاصيل اليومية، وليس الاتجاه نحو المونديال بهذه الكثافة إلا دلالة على السأم والشعور باللاجدوى. لعلّ تكرار المحاولات والوصول إلى النتائج المأسوية نفسها منذ عقود في المنطقة العربية ألقى بحالة من العبثية في صفوف المثقفين، وجعلهم يتفاعلون مع روح الحالة لا مع معطياتها ومحاكماتها، وينصهرون في التجربة المعيوشة على بساطتها دون تقييم ولا انتظار للنتائج، ومن هذه التجارب كأس العالم. الخروج عن لغة الثقافة إلى اللغة اليومية، ورفع التكلفة والتلقائية والتهكم أهم ما ميّز هؤلاء المثقفين.

أثار الشاعر اللبناني يحيى جابر مثلاً ردود فعل واسعة إثر نشره فيديو عن "تطليقه حبيبته" بسبب مطالبتها له بحلق شعره قبل مباراة ألمانيا-البرازيل.

أما التحدّي المحتدم بين الصحافي يوسف بزي وهو من مشجّعي المنتخب الألماني، والشاعر يحيى جابر "المناوئ الدائم لهذا المنتخب"، فقد أشعل صفحاتهم بالتعليقات، وتحوّل إلى معركة افتراضية لها مؤيدوها بين الطرفين. كتب يوسف بزي مثلاً "دعاء اليوم: واجعلوهم مقشّرين حبة حبة، حمّصوهم على نار لاهبة مستعرة، واسحقوهم بلا هوادة، واطحنوهم طحناً ساحقاً كغبار أسود، ثم اغلوهم حتى يذوبوا، واشربوهم هنيئاً مريئاً. قهوة برازيلية على مائدة ألمانية". يحيى جابر كتب من جهته "نحن نخسر ضاحكين وأنتم تربحون خائفين عابسين، وهنا الفرق بيننا وبين كل الفرق، حتى دموعنا لها تم. تضحك وترقص دموعنا سامبا، نستقبل الشماتيين ولا نخاف ولا نهلع ولا هلوعة".  وأيضاً "ما يعزّيني في هزيمتي الكروية، أن منتخب البرازيل بعد نكسته ليس عربياً، وسينهض بلا نهضوية لغوية، اللغويون اللغوجيون وحدهم يعشقون الهزائم".

تفاعل الكثيرون مع تداعيات هذه المعركة. بعضهم لم تكن له علاقة بالمونديال من قبل، بعضهم كان مشغولاً تماماً بالأحداث السياسية أو متابعاً عابراً لكرة القدم، لكن غواية فرصة الخروج عن الرتابة لم توقف أحداً عن المشاركة، وهنا نقتطف بعض المنشورات المونديالية.

نشر الشاعر والفنان التشكيلي طه خليل برقية تعزية إلى يحيى جابر: "على رأي البعثيين في سوريا "البرازيل خسرت معركة ولم تخسر الحرب" وعلى رأي البعثيين في العراق " ليس المهم النصر، المهم روح النصر".

أما الكاتب حازم صاغية، فقال "ألمانيا نصّبت يوسف بزي ديكتاتوراً، والعياذ بالله. أمّا يحيى جابر فسُمع يقول: انتظرناهم من الشرق فجاؤوا من الغرب، قبل أن يعتزل باحثاً عن زكريّا محيي الدين ما".

الكاتب زياد عيتاني "من هلق ورايح، مشجعو الفرق الخاسرة بلبنان يسلموا أنفسهن. لتسليم أنفسكم الرجاء اعتماد المراكز التالية: بيروت، الحمرا، قرب الكوفي بين. الجنوب، صور، الجمل. البقاع، كسروان، قرب ملعب غزير”.

هيثم شماس "واحد برازيلي طلع بـ"الفان". في حَجّة حد منو، قالتلو يا ابني انت من وين بلا زغرة. قلها من البرازيل قالتلوا والسبع غوال".

مروان أبي سمرا: "يحيى جابر على خطى عبد الناصر يعلن قراره بالتنحي وبالعودة إلى صفوف الجماهير، أعينوه على قراره".

أما رامي الأمين فقد نشر مقطعاً يصوّر "لحظة القبض على يحيى جابر" في إحدى المباريات.

تحوّل المونديال إلى فسحة حرة توحد الأصدقاء على اختلاف انتماءاتهم، ولعله الوحيد الذي يَخرج منه الجميع سالمين ومتفقين مهما كانت آراؤهم في وسط عربي حافل بإلغاء الآخر. وقد دفع هؤلاء المثقفون، في ردودهم المتبادلة الهازئة، الآلاف إلى ترقبها عبر فيسبوك، إذ نشروا ما أمكنهم من الفرح المنسي في بلاد ما زالت غارقة في حروب الردة، وفي ظل هذا الالتهاب السياسي والإحباط العام. إذا كان ثمة حاجز بين المثقف العربي والمجتمع، فإن كرة المونديال أزالته.

عمر يوسف سليمان

كاتب سوري، مقيم في باريس. متخصص في المقالات النقدية والدراسات حول قضايا المجتمع المشرقي المعاصر، التي تستمد جذورها من التراث العربي والإسلامي.

التعليقات

المقال التالي