الخيّاط المُنشق

الخيّاط المُنشق

يا أخي أنا خياط، دكاني كان على باب إحدى الحارات التي يتكاثر فيها الشبيحة في مدينة اللاذقية، حارة مؤيدة منذ نعومة أظفارها للنظام، وكانوا يخيطون بدلاتهم عندي منذ زمن بعيد، منذ التسعينيات من القرن الماضي. كانت بدلات الشبيحة المدنيين سوداء بالكامل، قمصان سوداء، وبناطيل سوداء، ناهيك عن جاكيتات الجلد السوداء. جاكيتات الجلد كانت تأتي جاهزة، كنت أصلحها أحياناً أو أضيّقها، وكان الجيش النظامي يأتيني ببدلاته أيضاً، للتضييق والتقصير، وأحياناً للتفصيل أيضاً... المهم كنا عم نرزق يا معلم، وبدأت الثورة، وقال لي الكريم خذ، الشبيحة تكاثروا، وجماعة الجيش النظامي أيضاً. أعضاء الجيش النظامي يرتدون البدلات الزيتية المموهة، والشبيحة أسود بأسود كما أسلفت. الشبيحة مخيفون، منذ التسعينات هم كذلك، كانوا يشفِّطون بسيارات المرسيدس الشبح في شوارع اللاذقية حتى سموهم بالشبيحة، يشبِّحون على الطرقات بالسيارات، والمسدسات، والروسيات، الروسيات يعني الكلاشينكوفات، مو من اللي بالي بالك... نسوان الكباريهات.

بعد فترة من بداية الثورة السلمية قرر الشعب أن يواجه السلاح بالسلاح، فتشكل الجيش الحر يا حبيب، وعلى اعتبار أنني من قرية ثائرة على النظام، فإن الشباب قرروا أن يستعينوا بي كي أفصل لهم البدلات. وبالفعل بدأت بتفصيل البدلات للجيش الحر، الجيش الحر التابع لجبل التركمان يرتدون البدلات الزرقاء النيلية المموهة مع البيريه النيلية، حتى البوط العسكري لونه أزرق نيلي عندهم، وبالطبع فإن تفصيل وخياطة هذه البدلات كان يتم ليلاً، على اعتبار أن محلي يقع على رأس حارة مؤيدة للنظام حتى العظام، وكنت أغلق الباب الخارجي حتى... وكأنني لستُ هنا، وأبدأ بالخياطة والتفصيل برعب شديد خوفاً من أن يسمع أحدهم صوت الماكينات ويكتشف ما أفصله وأخيطه من بدلات، فالبدلات النيلية المموهة فيها إعدام... أما  بدلات الجيش الحر التابعة لمناطق الحفة وسلمى وجبل الأكراد فقد كان لونها صحراوياً مموهاً، وهي تؤدي إلى الإعدام أيضاً بيد النظام إذا ما انتبهوا إلى أنني أخيِّطها.

كنتُ أناول البدلات لمبعوث لجنة المشتريات التابعة للجيش النظامي صباحاً وآخذ أجرتي، وفي يوم من الأيام ناولته بالغلط بدلة من بدلات الجيش الحر التابع لثوار دوما بريف دمشق، واحمد ربك أن بدلات ثوار دوما مموهة باللون الزيتي كبدلات النظام، لذا لم يكترث مبعوث جيش النظام بي لما اقتربت منه وأخذت البدلات الخاطئة وأعطيته بدلاته الصحيحة، قلت له هذه لفيلق آخر، فابتسم وقال: اللهم زد وبارك بالفيالق، وبالفعل فقد زادني الله وبارك، فلقد اهتدى إلي وإلى جودة بدلاتي عناصر جبهة النصرة، وصاروا زبائن مداومين عندي، بدلاتهم كبدلات الشبيحة سوداء، قمصان وبناطيل وعصبات على الرأس، أسود بأسود، وتكركبنا يا شباب، كما أننا بدأنا نتخربط، وكثيراً ما أخذ الشبيحة بدلات من بدلات جبهة النصرة وبالعكس، وصار الرعب شريكي، يقبض معي الأجر... والثواب.

وعلى الرغم من عملي الممتاز مع كل كتائب الجيش الحر وبمختلف ألوانها وأشكالها فإن الشباب لم يعودوا ليقبلوا بأن أدنس يدي بتفصيل بدلات الجيش النظامي والشبيحة، في الحقيقة لم يهددوني، ولكنهم قالوا لي: كفى. واكتفيت. قررتُ الانشقاق عن جيش النظام والشبيحة والسفر إلى الخارج والعمل هناك، لم أكن أملك جوازاً للسفر، فطلبتُ من زبون لي وهو برتبة عقيد في شرطة الهجرة والجوازات أن يستخرجه لي، وبالطبع تساءل ممازحاً إذا ما كنتُ سأهرب من البلاد، وبالطبع أجبته أن لا بالتأكيد... لكن الاحتياط واجب، وكم سررتُ عندما هز برأسه وهو يصدِّقني معتبراً إياي من عظام الرقبة المخلصين، وحصلتُ على الجواز.

لكن كيف سأهرِّب الماكينات؟! خرجت ظهراً ولم أغلق الباب الخارجي للمحل لأن فتحه يحدث ضجة، اكتفيت بإغلاق الباب الزجاجي كما لو أنني في استراحة، وعدت ليلاً وفتحت الباب وأخرجت الماكينات على ظهر سيارة بيك آب، وانطلقنا صوب قريتي في الجبال، وضعت الماكينات في بيت أهلي، وتحت شعار اللي بيحب النبي يِخلي أطلقت ساقيَّ للريح لكن على متن سيارة البيك آب، ومضيت باتجاه الحدود، تخطيت حواجز الشبيحة، وشممت في ثيابهم رائحة دكاني الخالي، وكذلك عندما تخطيت حواجز الجيش الحر، كل البدلات صنعتها يداي، من كل الألوان، كل كتيبة لها لونها ورسمتها، ولو أنني سمعت أن جيش النظام صار يرتدي بدلات مشابهة لبدلات الجيش الحر للتمويه.

أخيراً وصلت إلى المعبر الذي سيرميني خارج البلاد، لقد عبرت الحدود الآن، حتى حرس الحدود مرَّت بدلاتهم من تحت أناملي، وصرت في بلاد الأتراك، وهناك أعلنت الانشقاق: أنا الخياط المنشق... فلان... ابن فلان.

التعليقات

المقال التالي