مصر، أرض الخوف

مصر، أرض الخوف

الخوف كان، ولا يزال، كلمة السرّ في الشارع المصري. فقد كان الخوف من تحويل مصر على يد جماعة الإخوان المسلمين، دولةً دينية كأفغانستان وإيران، من أهم ركائز اعتماد السيسي رئيساً هو ما جعل الجميع يستدعون الجيش مرة أخرى، وحوّل السيسي منقذاً.

عبد الفتاح السيسي أدرك ذلك جيّداً، فكانت رسالته الأولى عندما أطلّ أول مرة على المصريين "لا تخافوا. نحن معكم. لن نسمح لأحد أن يؤذيكم أو يخيفكم". في 23 يونيو، تحدث السيسي في الندوة التثقيفية الخامسة للقوات المسلحة، التي بدا جلياً أنها أعدت خصيصاً ليرسل الجنرال رسالته الأولى إلى الشعب المصري وهو في بذلته العسكرية. قال يومذاك "أي مروءة اللي ممكن احنا نعيش بيها لما نشعر أن الشعب المصري كله مروع وخايف، إحنا نروح نموت أحسن بقى".

عام 1971، نشر هيربرت كروجمان Herbert Krugman، رئيس المنظمة الأمريكية لأبحاث الرأي العام، دراسة محورها علاقة التلفاز بالسلطة، يقول فيها "قامت الأنظمة باستخدام شاشة التلفزة لإقناع الناس أنه يمكنهم استقاء المعلومات وفهم ما يدور داخل الدولة وخارجها من خلال هذة الشاشة، وهم في الحقيقة أشبه بالنائم اليقظان". وفقاً للدراسة "العقل هو الذي يتحكم بالمادة المقروءة، بينما التلفاز هو الذي يتحكم بالعقل"، ولذلك "كان مهماً أن يكون هناك صوت للنظام أو قلّ صورة للنظام".

في مكان آخر من الدراسة، يتطرّق كروجمان إلى تأثير الخوف على تماسك الأمم "لا يوجد أقوى من الخوف تأثيراً ودافعاً للشعب للالتفاف حول السلطة ولتغافل أي نقيصة فيها". السيسي فهم ذلك جيّداً. أيقن أن الخوف والتلفاز هما أسلحته للسيطرة والحكم.

فبعد أن تحدّث السيسي/القائد العسكري عن دور الجيش في مواجهة من "يخيف الناس ويروّعهم"، خلع السيسي/المرشح الرئاسي بذلته العسكرية في أول ظهور مطول له على التلفاز وتحدث عن الخوف مرة أخرى، لكن متجاوزاً هذه المرة فكرة "الإخوان المسلمين" ومركّزاً على الخوف على الدولة التي "سوف تضيع". فحين سُئل عن حق التظاهر أجاب منفعلاً "أيوه البلد حتقع بسبب التظاهر".

هنا كانت نقطة البداية للخطاب الإعلامي للدولة الجديدة، الخوف ليس فقط من جماعة الإخوان المسلمين، التي أصبحت جماعة أرهابية بحكم المحكمة، بل أيضاً الخوف على الدولة التي في خطر. لكنّ دائرة الخوف اتسعت  لتشمل شباب الثورة، فمن كان يُحتفى بهم في الأمس ويُوصفون بأنهم "الورد اللي فتح في جناين مصر"، باتوا اليوم يُلعنون ويُوصفون بالمخنّثين أو الملعوب فيهم، كما وصفهم الصحافي ابراهيم عيسى، المعارض السابق لنظام مبارك.

دائرة الخوف تتسع أكثر فأكثر، والتهديد الداخلي لم يعد كافياً. لذا أضيف إليه عنصر المؤامرة الخارجية، فأمريكا وقطر وإسرائيل وإيران وتركيا تتآمر على المصريين. لم يكن مستغرباً أن تفاجئنا "الأهرام"، الصحيفة الأكبر والأهم في مصر بمانشيت "رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الأسبق‏ يصرح "‏السيسي كشف مؤامرة أوباما قبل أن تتحوّل مصر سوريا أخرى". أما جريدة "الوطن" القريبة من دوائر صنع القرار في مصر، فقد حدّثتنا عن بُعد آخر للمؤامرة، قطرية تركية هذة المرة، بمانشيت "مسئول التدريب الأسبق بالمخابرات القطرية يكشف لـ«الوطن» كواليس المؤامرة «القطرية- التركية".

المصريون الآن محاطون بالأعداء: الإخوان المسلمون، القوى الثورية، القوى الخارجية… الخوف الذي ينتشر في الشوارع لن يترك الجامعات بمعزل، والطلبة لن يكونوا بعيدين عن دائرة الاشتباه. الخوف سيتسرب إلى الطلاب داخل مدرجاتهم، وبينهم خائن ومتآمر يجب الإيقاع به. لذا طلعت الصحف المصرية بأخبار عن آلية لاختيار عناصر من الطلاب مهمتهم التعاون مع الأمن والإبلاغ عن زملائهم الإرهابيين أو المخربيين.

الجامعة أصبحت الآن معملاً لتفريخ "مخبرين" يكتبون تقارير عن الزملاء، كأن ذلك بات عملاً مشروعاً، لا بل وطنياً. وهو ما عبّر عنه المذيع تامر أمين في برنامجه التلفزيوني حين قال "أيوه لازم كلنا نبقى مخبرين" حاثّاً الطلبة على التجسس على زملائهم، فمصر في خطر، والجميع يجب أن يتكاتفوا.

منظّمات المجتمع المدني هي الأخرى باتت مستهدفة، والخوف شمل أهلها. ففي 21 سبتمبر الماضي، أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قراراً قضى بتعديل قانون العقوبات وصفه الحقوقيون بأنه سابقة حتى في أشد الدول قمعاً. وفقاً للتعديل الجديد، يعاقب متلقي "التمويل الأجنبي" بالسجن المؤبد زائداً الغرامة المالية. منح التعديل القضاة سلطة الحكم بالإعدام أو السجن المؤبد وغرامة لا تقلّ عن خمسمائة ألف جنيه على الجاني إذا كان موظفًا عامًا أو مكلفًا بخدمة عامة أو ذا صفة نيابية عامة. طبعاً، تعريف "التمويل الأجنبي" فضفاض ويمكن أن يتسع ليشمل الجميع.

إذا كان الجميع اليوم في مصر خائفين، ودائرة الاشتباة تتسع يوماً بعد يوم لتشمل، بالإضافة إلى الإخوان المسلمين، القوى الثورية، وطلبة الجامعات، ومنظمات المجتمع المدني، ودعاة الحريات الشخصية او المتعاطفين معهم، فمن في أمان إذن؟ وأيّ دولة هذه التي تؤسس دعائمها على الخوف والرعب؟

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي