هل يكون محمد التسولي، باسم يوسف المغرب؟

هل يكون محمد التسولي، باسم يوسف المغرب؟

هل يمكن أن تكون السخرية السياسية بوابة للنضال من أجل التغيير والوصول إلى الديمقراطية في المغرب؟ الشاب المغربي محمد التسولي يجيب عن هذا السؤال وهو يخوض غمار تجربة برنامجه الساخر "التسوليزم" الذي يبثّ على شبكة الانترنت. استلهم فكرة برنامجه من "البرنامج" لصاحبه الطبيب الجرّاح المصري باسم يوسف الذي حقق نسب مشاهدات هائلة في مصر والعالم والعربي بسبب تناوله مواضيع سياسية ومجتمعية وثقافية في قالب كوميدي يكسر التابوهات.

بعد أن تراجعت جذوة الحراك الشبابي المغربي الذي مثلته احتجاجات حركة 20 فبراير، انتقل عدد من وجوه الحراك إلى البحث عن بدائل أخرى لإيصال رسائلهم وأفكارهم إلى الناس. وفيما اختار البعض وسائط فنية كالمسرح والسينما (مسرح الشارع، السينما المناضلة)، استغلّ محمد التسولي موهبته لخدمة القضايا التي يدافع عنها من خلال برنامجه الساخر، وقد حققت الحلقات التي أنجزها إلى الآن ونشرت على يوتوب نسبة مشاهدة  تُقدّر بعشرات الآلاف.

اختار  التسولي، وهو أحد وجوه احتجاجات 20 فبراير بمدينة الدار البيضاء، لبرنامجه اسم "التسوليزم" وهو عبارة عن فيديوهات ساخرة يجمع فيها الكوميديا السوداء بالسياسة. لا ينزعج التسولي من أن تلتصق به فكرة كون برنامجه يقلّد برنامج باسم يوسف وعدد من البرامج الأجنبية المشابهة. فالمغاربة ليسوا معتادين بعد على برامج من تلك النوعية، يكون فيها الحسّ النقدي حاضراً، ويخرج فيها "البودكاست" عما هو مستهلك ورائج لينتقل إلى طرح القضايا المصيرية والمرتبطة بالشعب بشكل مباشر.

يمثل "التسوليزم" بداية لتجربة مغربية جديدة للسخرية السياسية تطمح إلى إيجاد موقع قدم لها وسط الآلاف من المواد المختلفة التي تعج بها الشبكة العنكبوتية. البودكاست المغربي لم يعرف تجارب جريئة مماثلة تتناول مواضيع دقيقة مثل: الاعتقال السياسي، غياب الديمقراطية، انعدام العدالة الاجتماعية، السلطة القائمة. إذ ظلت تجارب البودكاست السياسي المغربي على العموم حبيسة رؤى سطحية ومرتهنة إلى منتوج يبحث أكثر عن تحقيق نسب مشاهدة كبيرة. يأمل التسولي من خلال تجربته تأسيس نموذج مغربي جديد من السخرية السياسية يستطيع توعية الناس ولفت أنظار المسؤولين إلى أخطائهم.

حققت الحلقات الأولى متابعة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن خصص الحلقة الأولى لشخصيتين سياسيتين مثيرتين للجدل في المشهد السياسي المغربي، إذ تشكل إطلالاتهما الإعلامية مادة دسمة للتندر، وهما رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران وزعيم حزب الاستقلال حميد شباط.

قرر التسولي اعتماد أسلوب جديد ابتداء من الحلقة الثالثة ساعياً إلى إشراك الجمهور فيها من خلال طرح ثلاثة مواضيع، يكون الموضوع الذي حصل على أكبر عدد من الأصوات عبر الصفحة الرسمية للبرنامج، هو موضوع الحلقة المقبلة. أتاح كذلك الفرصة للجمهور في إرسال فيديوهات أو مواد يرون أنها مناسبة للعرض في الحلقة.

لكن كما عانى برنامج باسم يوسف في زمن حكم الإخوان المسلمين وما بعده، تعرض برنامج التسولي لانتقادات كبيرة من الإسلاميين المتعاطفين مع حزب العدالة والتنمية، بسبب ما تضمنته الحلقة عن بنكيران من انتقادات، وأيضاً بسبب وصلة قصيرة شبّه فيها التسولي حزب العدالة والتنمية بـ"العازل الطبي" (الواقي الذكري) الذي يستخدمه النظام السياسي لممارسة الاستبداد. وقال التسولي إن صفحته تعرضت لهجوم من أنصار العدالة والتنمية الذين حاولوا دفع إدارة موقع الفايسبوك إلى إغلاق صفحته.

 

في المقابل، تلقّى برنامج التسولي إشادة كبيرة من مستعملي مواقع التواصل الاجتماعي المغاربة وتحديداً أولئك المطالبين بالتغيير، وقد وجدوا فيه نافذة جديدة تعبر عن دواخلهم. اعتبر حميد عجيل، وهو شاب مغربي ينشط على الفيسبوك، أن السخرية أفضل وسيلة لإيصال الرسائل والأفكار والمواقف. وقال: "هدف التسوليزم إثارة قضايا عادلة يتجاهلها الإعلام الرسمي مثل الاعتقال السياسي لعدد من الشباب، وكذلك انتقاد مشاهير الرداءة السياسية في البلاد بلغة بسيطة وهادفة، شخصياً أعجبني البرنامج الذي لا يزال في بداياته وتفاعلت معه بإيجابية كغيري من الشباب الذين يؤمنون بالتغيير. أتمنى أن يصبح البرنامج أكثر احترافية ويبقى مستقلاً ومنحازاً إلى الشعب لينشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان ويزيد من درجة الوعي لدى رواد الشبكة العنكبوتية. أتمنى كذلك أن يبقى مُركّزاً على السخرية ليجلب حتى الجمهور الذي ليس مقتنعاً بعدُ بمسألة الديمقراطية".

بدورها عبرت المدونة المغربية "متمسكة" عن إعجابها بالوصلة التي خصصها التسولي لانتقاد سلوك حزب العدالة والتنمية وسعيه إلى تبييض صورة النظام، وجاء في إحدى تدويناتها التي تكتبها بالعامية المغريبة: "أعتقد أن هذا التشبيه الذي استخدمه التسوليزم لحزب العدالة والتنمية هو أقسى نقد وُجّه للحزب، الدولة المغربية كانت أذكى بكثير من نظيراتها وأنقذت نفسها باستخدام جراجوز جديد".


بإمكانات متواضعة يواصل التسولي الاشتغال على أمل تطوير برنامجه نحو الأحسن، وقد يلج عالم الاحتراف من بوابة اليوتوب رغم إقراره بصعوبة الأمر بسبب حجم الرقابة الموجود داخل وسائل الإعلام التقليدية. قال التسولي لرصيف22: "البرنامج حتى الآن يلقى نجاحاً كبيراً بطريقة فاجأتني. أتطلع إلى تطويره، لكنني أرهن ذلك بعدم التدخّل في خطّنا التحريري، فهو خط أحمر بالنسبة إلي".

عن الخطوط الحمر، يقول التسولي: "نحن نمارس أسلوباً من النقد السياسي لا يمكن للإعلام المغربي أن يتقبّله وينفتح عليه. لذلك لجأنا إلى الفضاء الرقمي. نعرف كم هو ضيق مجال حرية التعبير في المغرب الذي قد لا يسمح بتجاوز عدد كبير من الخطوط الحمر، لكننا نعد أننا سنتطرق بجرأة لعدد من الموضوعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لنرى إلى أي مدى سيتم احترام النص الدستوري الذي ينص على حرية التعبير".


هل يكون صدر الدولة المغربية رحباً بجرأة هذا الجيل الجديد في السخرية السياسية؟ وهل ينتقل "التسوليزم" من اليوتوب إلى عالم النجومية على غرار تجارب عالمية كثيرة؟ سؤالان من أسئلة كثيرة متروكان للمستقبل، وفي انتظار الإجابة عنهما، يستمر التسولي في السخرية اللاذعة من الواقع المرّ.

التعليقات

المقال التالي