مناضلو كرة القدم

مناضلو كرة القدم

في تاريخ كرة القدم العديد من اللاعبين البارزين، ليس فقط كنجوم في الرقعة الخضراء وإنما أيضاً خارجها، لوقوفهم في وجه الأنظمة الديكتاتورية، ودفاعهم عن العدالة الاجتماعية والديمقراطية. لم يفصل هؤلاء النجوم بين اللعبة التي يلعبونها وإيمانهم بضرورة النضال من أجل القضايا العادلة، ومنهم من وضع باصطدامه وجهاً لوجه مع الديكتاتوريه مسيرته الرياضية على المحكّ.

كازيلي، الهدّاف الشيوعي الذي رفض مصافحة بينوشيه

download (1)

لا يمكننا ونحن نبحث في التاريخ الكروي- السياسي، إلا أن نعود إلى تفاصيل الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال بينوشيه Pinochet في الشيلي على الرئيس اليساري المنتخب شعبياً في 11 سبتمبر 1973، سلفادور أليندي Allende. سيطر بينوشيه على جميع المؤسسات في الشيلي بتعيين مقرّبيه على رأسها، ومن ضمنها طبعاً القطاع الرياضي.

تزامن الانقلاب العسكري مع كأس العالم 1974. كان منتخب الشيلي سيواجه المنتخب السوفياتي في مباراة العودة في سانتياغو، بعد أن انتهت مباراة الذهاب بنتيجة التعادل السلبي. لكن السوفيات الذين كان قادتهم يرفضون الاعتراف بنظام الحكم العسكري الجديد في الشيلي رفضوا اللعب في "الاستاديو ناسيونال" لأنه كان مسرحاً لإعدام المعارضين وفق شهادات عدة. تمسّك السوفيات بموقفهم برغم محاولات الاتحاد الدولي لكرة القدم إقناع السوفيات أن الأمور في الملعب طبيعية. وأمام موقف السوفيات، اضطر الاتحاد الدولي إلى إعلان الشيلي متأهلة لكأس العالم.

أراد بينوشيه الاحتفاء بالنصر بطريقة استعراضية. أمام أربعين ألف متفرج في ملعب الموت "استاديو ناسيونال"، دخل لاعبو المنتخب الشيلي بمفردهم إلى الملعب وسجّل أحد اللاعبين الهدف الاستعراضي الذي اعتبر الهدف المؤهل للمونديال. لكن الاستقبال الذي خصصه بينوشيه للاعبين قبل السفر إلى ألمانيا سيغيّر حياة لاعب منتخب الشيلي كارلوس كازيلي Carlos Caslezy، عندما سيرفض من دون بقية اللاعبين مصافحة الرئيس تعبيراً عن موقفه الرافض للحكم العسكري. يقول كازيلي في وصف تلك اللحظة "فجأة فتحت الأبواب، وكان هناك ذلك الشخص بنظارات سوداء وقبعة وبملامح قاسية، كان يسير ويصافح اللاعبين المتأهلين إلى كأس العالم، وحينما اقترب مني وضعت يدي خلفي، وحينما مد يديه إليّ لم أصافحه، لقد ساد صمت دام بالنسبة إلي آلاف الساعات. كإنسان كنت ملزماً بأن أقوم بذلك لأنه كان خلفي شعب بأكمله يعاني، ولا أحد كان يفعل شيئاً لهم، حتى حانت اللحظة التي قلت فيها كفى، لا للديكتاتورية".

كان كازيلي الذي بدأ مشواره في فريق كولو كولو Colo colo خارج الملعب، يساريّ الهوى من أنصار سالفادور أليندي، وكان يعبّر عن ذلك بوضوح، بل إنه شارك خلال حملة المرشحين الشيوعيين في انتخابات البرلمان التي سبقت الانقلاب.

 موقف كازيلي من بينوشيه سيدفع ثمنه لاحقاً، إذ سيقدم عسكريون على تعذيب والدته انتقاماً منه. امتدّ التضييق على كازيلي إلى الملعب، ففي أول مباراة في مونديال سنة 1978، عندما خسرت الشيلي بهدف أمام ألمانيا، وتلقى كازيلي الورقة الحمراء، انتقدت الصحافة الشيلية اللاعب بشكل لاذع وحملته مسؤولية أخطاء الفريق.

استبعد اللاعب بقرار سياسي من المنتخب منذ مونديال ألمانيا، لكنه فرض نفسه من جديد بعد العودة إلى الشيلي عقب تجربة احترافية ناجحة في اسبانيا. هنا سيكون مرة أخرى على موعد مع انتقاد إعلامي موجه، عندما أضاع ركلة جزاء أمام النمسا، إذ حمّلته الصحافة المحلية مسؤولية فشل جماعي. بعد الخروج من المونديال الاسباني، سيعود عنصراً غير مرغوب فيه وسيستدعى لمرات قليلة برغم استمراره في قيادة فريقه إلى الألقاب، إلى أن أعلن اعتزاله اللعب سنة 1985. رفض التلفزيون الرسمي بشكل متعمّد حينها بثّ لحظات احتفاء الجماهير به.


لكن اعتزاله اللعب لم يثنه عن الاستمرار في التعبير عن مواقفه وآرائه الرافضة لحكم بينوشيه، إذ سيقود سنة 1988 حملة ضد الاستفتاء الذي أعلنه بينوشيه لإعادة انتخابه، وسيدعو الشعب الشيلي في شريط ظهر فيه إلى جانب والدته إلى التصويت بـ "لا"، وهو موقف أثمر رد فعل إيجابي من الشيليين حين صوّت 56 بالمئة ضد بقاء بينوشيه، لتنهي الشيلي بقيادة لاعبها المتمرد عهد الديكتاتورية العسكرية وتنطلق إلى عهد الديمقراطية.

البرازيلي سقراطيس، الطبيب الذي قال لا للديكتاتورية

download (2)


الذاكرة الكروية لا يمكنها أن تنسى لاعباً برازيلياً أنيقاً داخل الملعب وخارجه، عاش مسكوناً بقضية الديمقراطية في بلاده. سقراطيس Socrates، نجم كورينتيانس Corinthians والمنتخب البرازيلي (في مونديالي سنتي 1982 و1986) الذي عرف بمعارضته جميع أشكال السيطرة وفي مقدمتها الديكتاتورية العسكرية في البرازيل. قاد سقراطيس مسيرة لدمقرطة فريق كورينتيانس الذي كان يلعب فيه، فكان شخصية استثنائية في تاريخ الكرة في البرازيل.

كانت عملية دمقرطة نادي كورينتيانس فريدة، إذ كانت القرارات جميعها بما فيها وقت إجراء التمارين تتخذ بتشاور مع اللاعبين والتقنيين وجميع المساهمين في عمل الفريق بما فيهم سائق الحافلة والمعد البدني. "كنا نطمح إلى أن نتجاوز دورنا كلاعبين فقط وأن نشارك جميعاً في وضع استراتيجية للنادي، هذا سمح لنا ببناء علاقات متينة بين المسيّرين واللاعبين"، يحكي سقراطيس عن النظام الجديد الذي اتبعه النادي وحقق به نتائج باهرة من خلال الفوز بلقبين متتاليين، ما جعل العديد من الأندية تفكر في اعتماده.

بينما كانت الإعلانات التجارية قد بدأت تحتل أقمصة اللاعبين، كان لاعبو كورينتيانس يضعون شعار "الديمقراطية" على قمصانهم، وخلال المباراة النهائية للبطولة البرازيلية سنة 1983 ضد ساوباولو، دخل لاعبو كورينتيانس المباراة وهم يرفعون لافتة كتب عليها "الفوز أو الهزيمة، ولكن دائماً في ظل الديمقراطية". شارك سقراطيس كذلك في حركة "الانتخابات المباشرة الآن" وهي حملة شعبية كانت تدعو لانتحاب الرئيس البرازيلي بشكل مباشر. كان يشعر أنه في مهمة ولم يتدرب بشكل اعتيادي طوال الفترة التي عرفت الاحتجاجات.


نجوم ليفربول الذين تضامنوا مع عمال الموانىء في مدينتهم

download (3)

في خريف سنة 1997، كان عمال موانىء مدينة ليفربول Liverpool يخوضون السنة الثانية من إضرابهم الشهير. في هذا الوقت، شهدت مباراة ربع نهائي كأس الكؤوس الأوروبية بين فريقي ليفربول حركة لافتة من مهاجم ليفربول روبي فولر Robbie Fowler، أحد أبناء المدينة. إذ قام فولر برفع قميصه ليظهر تضامنه مع العمال عبر عبارات كتبت في داخله بعد تسجيله هدفاً، وهو نفس ما أقدم عليه ستيف مكمنمان Steve McManaman لكن بعد صافرة النهاية. إثر المباراة، صرح مكنممان لوسائل الإعلام: "كل ما كنا نريده هو مدّ العون لأشخاص نعرفهم لم يتلقوا أي أتعاب عن عملهم".

download (4)

قررت اللجنة التأديبية للاتحاد الأوروبي عقب هذا الحادث تغريم اللاعب روبي فولر بغرامة قدرها 2000 فرنكاً سويسرياً، ووجه النادي شبه إنذار للاعبين مذكراً جميع أعضاء الفريق بأن التعاليق حول قضايا خارجة عن كرة القدم غير مقبول على أرض الملعب.

دروغبا، القناص الإفواري الذي وقف في وجه الحرب الأهلية

download (5)


لعب المهاجم الايفواري ديدييه دروغبا Didier Drogba دوراً كبيراً في توحيد الايفواريين، إذ أخذ هداف كوت ديفوار على عاتقه إنهاء حالة الانقسام التي كان يعيشها البلد بسبب الحرب الأهلية الطاحنة. استغل دروغبا فوزه بجائزة الكرة الذهبية لأفضل لاعب إفريقي ليطلب من الطرفين المتحاربين إيقاف الحرب، وقال للرئيس الايفواري آنذاك لوران غباغبو Laurent Gbagbo عندما استقبله إنه يريد الذهاب للاحتفال في بواكي معقل المتمردين كمساهمة منه في دعم السلام في البلد. وافق غباغبو على مضض على طلب دروغبا وخصص له طائرة رئاسية إلى بواكي. استقبل الآلاف ديدييه دروغبا استقبال الأبطال وألقى كلمة أمام الجماهير في الساحة الرئيسية.

كانديدو دي أوليفيرا، اللاعب والمدرب الذي واجه سالازار

download (6)

في البرتغال، يتذكرون اسم "كانديدو دي اوليفيرا" Cândido de Oliveira اللاعب والمدرب والصحافي الرياضي البرتغالي الذي كان معارضاً شرساً للديكتاتورية العسكرية بقيادة أنتونيو سالزار António Salazar. كلفت مجاهرة لاعب بنفيكا Benfica السابق بمواقفه ضد النظام الديكتاتوري السجن في معتقل "تارافال" Tarrafal الشهير في الرأس الأخضر، الذي كان سالازار ينفي إليه ألدّ معارضي نظامه. سجن كانديدو من طرف النظام، وهو مدرب للمنتخب البرتغالي الأول، سنتين (ما بين 1942 و1944)، لكنه عاد لتدريب المنتخب البرتغالي مباشرة بعد خروجه من السجن سنة 1945.

التعليقات

المقال التالي