لماذا خرج الـ"كبار" من كأس العالم؟

لماذا خرج الـ"كبار" من كأس العالم؟

تذكّرنا كرة القدم كلما نسينا بأن أرض الملعب تُسقط كل التوقعات وتقلب الموازين. فالفريق الكبير لا يحافظ على تألقه إذا لم يكن في جهوزية تامة ولا يبقى أيّ فريق صغيراً إن أعد مديره الفني ولاعبوه أنفسهم لمفاجأة الكبار واللعب بكفاءة مستفيدين من نقاط قوتهم ونقاط ضعف خصومهم.

ينطبق ذلك على الفرق التي تتنافس على لقب كأس العالم، فالحدث الرياضي الذي يقام في البرازيل شهد مفاجآت كبيرة. أبرزها كان خروج إسبانيا بطلة العالم وبطلة النسختين الأخيرتين من بطولة أوروبا من الدور الأول وخروج انجلترا من المرحلة نفسها بنقطة واحدة في مجموعة شهدت سقوط المنتخب الإيطالي أيضًا.

 

في المقابل ظهرت منتخبات أخرى وقدمت مستوى ممتازاً، برغم أنها لم تكن مرشّحة للذهاب بعيداً في البطولة. فمن كان ليتوقّع أن تفوز كوستا ريكا على إيطاليا والأوروغواي، أو أن تتأهّل الولايات المتحدة على حساب غانا والبرتغال، والمكسيك على حساب كرواتيا؟

من الصعب على أي محلل كرة قدم أن يتوقع قبل انطلاق أي مباراة تسجيل فريق مغمور فوزاً مستحقاً على حساب فريق يمتلك عناصر تعدّ من الأفضل في العالم. ولكن الآن وقد شاهدنا مستوى عدد من الفرق الكبيرة المخيّب للآمال، نستطيع أن نلقي الضوء على أسباب سقوطها وخروجها من المرحلة الأولى من المونديال.

فشل المدرب فيسنتي دل بوسكي Vicente Del Bosque في أن يبعث الحياة في فريقه من جديد بعد فوز المنتخب الإسباني بالبطولة الأوروبية مرتين عامي 2008 و2012 وفي البطولة العالمية عام 2010. اعتماده مرة جديدة على خطة برشلونة المعروفة بالـ"تيكي تاكا" Tiki Taka والتي تقوم على الاحتفاظ بالكرة وإرهاق المنافس واللعب الهجومي من خلال وسط الملعب وعن الأجنحة، كلف الإسبان غالياً في هذه البطولة.

يرى عدد من المحللين والخبراء أن خطة "التيكي تاكا" انتهت صلاحيتها بعدما انكشفت ثغرات فيها. عرف عدد من المديرين الفنيين ومنهم مدرب انتر ميلان Inter Milan السابق وتشيلسي Chelsea الحالي جوزيه مورينيو Jose Mourinho وياب هينكس Jupp Heynckes الفائز بلقب دوري أبطال أوروبا مع بايرن ميونيخ Bayern Munich في موسم 2012-2013، بالإضافة إلى مدرب أتليتيكو مدريد Atletico Madrid دييغو سيميوني Diego Simeone، كيفية التصدي للخطة التي استخدمتها برشلونة منذ تولي بيبي غوارديولا Pepe Guardiola مهمة تدريب الفريق الكاتالوني عام 2008.

يقول المحللون إن خسارة بايرن ميونيخ هذا العام أمام ريال مدريد وإخفاقه في المحافظة على اللقب الأوروبي بقيادة غوارديولا، يعود إلى قراءة مدربين الفرق الأخرى خطة غوارديولا وتوظيف الضغط العالي من قبل مهاجميهم ولاعبي الوسط في فرقهم ضد دفاع البايرن. برغم هذا، أصر دل بوسكي على استخدام هذه الخطة بثقة عمياء وإبعاد أي حلول أو خطط بديلة قد تتيح لإسبانيا تبديل أسلوب لعبها عندما لا تعمل الـ"تيكي تاكا" بالشكل المطلوب.

اعتمد دل بوسكي في تشكيلته على لاعب برشلونة كسافي Xavi مايسترو وسط الملعب متغاضياً عن بلوغ اللاعب الـ34 سنة من العمر، وكونه كان بعيداً عن مستواه طوال الموسم المنصرم. كان بإمكان المدير الفني أن يستعين بخدمات لاعب وسط أتليتيكو مدريد المتألق كوكي Koke لأنه أصغر سناً وأكثر نشاطاً من كسافي، ولا سيّما أنه قدم عروضاً مميزة خلال الموسم وساهم في فوز ناديه بلقب الدوري الإسباني وبلوغه نهائي دوري أبطال أوروبا. كان أمام دل بوسكي خيارات عدة كي يعوض عن بطء كسافي، منها مثلاً إدخال زميله أندريس انييستا Andres Iniesta إلى العمق عوضاً عن اختياره ليلعب على طرف الملعب، أو إشراك سيسك فابريغاس Cesc Fabregas المنتقل حديثاً إلى تشيلسي مكان كسابي.

من ناحية أخرى، ربما تسرّع دل بوسكي بالزج بدييغو كوستا Diego Costa في التشكيلة الأساسية للمنتخب. فهدّاف أتلتيكو مدريد البرازيلي الأصل (الذي سيلعب في صفوف تشيلسي الإنجليزي العام المقبل) لم يلعب إلا في مباراتين وديتين مع إسبانيا قبل انطلاق كأس العالم ولم يكن قد تأقلم بعد مع زملائه الدوليين. أخطأ دل بوسكي كذلك في إشراك فرناندو توريز Fernando Torres بعد تراجع مستوى توريز بشكل كبير في المواسم الثلاثة الماضية وتسجيله خمسة أهداف في الموسم الماضي.

ما يزيد الأمر غرابة أنه كان أمام دل بوسكي خيارات أفضل من توريز، مثل المهاجم الخبير دافيد فييا David Villa الذي سجّل 13 هدفاً العام الماضي وكان أحد أهم عناصر أتليتيكو مدريد. لكن دل بوسكي لم يدخل فييا إلى الملعب إلا في مباراة إسبانيا الأخيرة، وذلك عندما أصبح من المؤكد خروج المنتخب من البطولة.

 

يذكر أن استدعاء توريز من قِبل دل بوسكي جاء على حساب نجم يوفنتوس Juventus بطل الدوري الإيطالي فرناندو لورينتي Fernando Llorente ومهاجم مانشستر سيتي بطل الدوري الإنجليزي الممتاز ألفارو نغريدو Alvaro Negredo، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول طريقة اختيار دل بوسكي اللاعبين المشاركين في البطولة.

لكنْ وضع اللوم كله على دل بوسكي لا يرسم المشهد بالشكل الكامل والسليم. لاعبو إسبانيا من حارس المرمى ايكر كاسياس Iker Casillas إلى جيرار بيكيه Gerard Pique وسيرجيو راموس Sergio Ramos وكسابي ألونسو Xabi Alonso وسيرجيو بوسكيتس Sergio Busquets وإنييستا وكوستا وغيرهم لم يقدموا المستوى المطلوب، وهذا ساهم أيضاً في إخراج الفريق مبكراً من البطولة.

أما في ما يتعلق بالمنتخب الإيطالي، فإن تشكيلة الإيطاليين قد تكون الأضعف في تاريخ المنتخب الإيطالي المعاصر، إذ كان ينقصها لاعبون ماهرون يقدّمون حلولاً فردية ولاعبين أشداء في وسط الملعب. بدا ذلك واضحاً أكثر من أي وقت في غياب دانييلي دي روسي Daniele De Rossi عن مباراة الاوروغواي.

المنتخب، كما أبرز فرق الدوري الايطالي التي تراجع مستواها في العقد الأخير، حافل باللاعبين ذوي المستوى المتواضع. والدليل اعتماد إيطاليا على لاعبين من أمثال مدافع تورينو ماتيو دارميان Matteo Darmian ومدافع ميلان ماتيا دي شيغليو Mattia De Sciglio ولاعب بارما Parma الإيطالي ماركو بارولو Marco Parolo وهم عناصر ليسوا بمستوى أسلافهم الذين فازوا بكأس العالم في صيف 2006. في البطولة تلك، التي أقيمت في ألمانيا، ضم الفريق مدافعين من الأبرز في تاريخ كرة القدم هما فابيو كانافارو Fabio Cannavaro وأليساندرو نيستا Alessandro Nesta ولاعب الوسط المقاتل جينارو غاتوزو Gennaro Gattuso وصانع الألعاب المعتزل دولياً فرانشيسكو توتي Francesco Totti، بالإضافة إلى نجوم الهجوم كأليساندرو دل بييرو Alessandro Del Piero وفيليبو إنزاغي Filippo Inzaghi ولوكا توني Luca Toni وغيرهم. اليوم، يعتمد الإيطاليون على ماريو بالوتلي Mario Balotelli الذي لم يحافظ على مستواه المعتاد في البطولة، وعلى مهاجمين تنقصهم الخبرة مثل تشيرو إيموبيلي Ciro Immobile أو مهاجمين لم يعودوا في قمة عطائهم مثل أنطونيو كاسانو.

وكما حال المنتخب الإسباني في اعتماده المفرط على كسافي الكبير في السن، اعتمد المنتخب الإيطالي على أندريا بيرلو Andrea Pirlo لاعب وسط يوفنتوس الذي بلغ خريف مسيرته الرياضية، في ظل انحسار خيارات المدير الفني تشيزاري برانديلي Cesare Prandelli.

فبعد الفوز الجيد على انجلترا في مباراة المنتخب الأولى في مرحلة المجموعات، عانت إيطاليا من ضعف في بناء الهجوم بسبب انعدام الحلول على الأطراف وصعوبة الاختراق من الوسط مع منتخبي الأوروغواي وكوستا ريكا المقاتلين. بدت معاناة إيطاليا واضحة جداً في المباراة التي جمعتها بالأروغواي، إذ كان هجوم المنتخب الإيطالي بدون أي فاعلية ولم يستطع تهديد مرمى الخصم سوى بخمس تسديدات مباشرة.

أما المنتخب الإنجليزي، الذي يفشل دوماً في تحقيق توقعات جمهوره، فخرج من الأدوار الأولى برغم توفر عدد كبير من النجوم في فريقه. يمتلك الفريق كل العناصر الهجومية والدفاعية، من ثلاثي ليفربول Liverpool رحيم ستيرلينغ Raheem Sterling وستيفن جيرارد Steven Gerrard ودانييل ستاريدج Daniel Sturridge إلى مهاجم مانشستر يونايتد Manchester United وين روني Wayne Rooney وآخرين يعدّون من نجوم الكرة العالمية، لضمان وصوله إلى الأدوار النهائية.

علماً أن نقص المنتخب الإنجليزي التكتيكي بدا جلياً في جميع المباريات. لم يقدم المدير الفني روي هودجسون Roy Hodgson أي حلول تكتيكية أو إستراتجية واضحة للتأكيد على لعب المنتخب بشكل مقنع، ولم يستفد من عناصر القوة لديه فبقي يعتمد على حلول فردية يؤمنّها ستيرلينغ أو ستاريدج عن الأجنحة. يتساءل البعض عن جدية اللاعبين الإنجليز ومدى تركيزهم في البطولات الكبرى والتزامهم الفني. تنجح فرق أخرى لا تمتلك المستوى نفسه من اللاعبين على أرض الملعب أو في دكة البدلاء في اجتياز المراحل الأولى والوصول إلى أدوار متقدمة، في حين لا يزال المنتخب الإنجليزي يبحث عن هوية للفريق ويبدل مديرين فنيين بدون أن ينجح في تحقيق أي تقدم يذكر.

لقد حير فشل المنتخب الإنجليزي المحللين. فشل في قيادته السويدي سفين جوران اريكسون Sven-Goran Ericsson ثم فشل ستيف ماكلارين Steven McCLaren ثم الإيطالي فابيو كابيلو Fabio Capello والآن روي هودجسون. ربما لا يناسب المنتخب الإنجليزي اللعب تحت الضغط النفسي، أو ربما ثقافة اللعب الجماعي والالتزام التكتيكي، التي كانت وراء نجاح فرق أخرى في المونديال – والتي يظهرها لاعبو المنتخب بكفاءة مع فرقهم في بطولات الدوري المحلية ودوري أبطال أوروبا – تنقص الإنجليز.

التعليقات

المقال التالي