كيف يرفّه أهل غزة عن أنفسهم؟

كيف يرفّه أهل غزة عن أنفسهم؟

ليس كل ما يأتي من غزّة صوراً للموت، فالمدينة الحزينة لا تتوقف عن البحث عن الحياة. وفي ظلّ أزماتها الكثيرة، أصبحت المطاعم والفنادق والمقاهي الخيارات القليلة المتبقية لأهل غزّة للاستمتاع والترفيه.

الفنادق القديمة أو الجديدة تتنافس في جذب الغزيين عن طريق إقامة سهرات غنائية غالباً ما يحدد يوم الخميس موعداً لها وتخصص للعائلات فقط، نظراً لطبيعة المجتمع المحافظ.

رصيف22 شاركت بعض العائلات في حفلة بأحد المطاعم. أحد الساهرين قال إنه، كلما أُتيحت له الفرصة، يجلب أفراد أسرته لحضور إحدى حفلات الفنادق أو المرابع بغية الترفيه وكسر رتابة الليالي.

ساهر آخر اعتبر هذه المناسبات مجددة للنشاط ومخففة لضغوط الحياة اليومية. يستذكر الأجواء المماثلة من الانفتاح والحيوية التي نشأت في غزّة فور قيام السلطة الفلسطينية عام 1994، ثم انقطعت بسبب الانتفاضة أواخر العام 2000،  وها هي تعود من جديد ولو بشكل محدود.

وبرغم أن هذه الحفلات وسهرات العشاء المفتوح غالباً ما تكون في المناسبات، فإنّ حركة حماس انتقدت بعض ما يجري فيها، وحاولت فرض ضوابط كثيرة عليها، منها مثلاً منع السيدات والفتيات من تدخين النرجيلة. كانت الحركة، وفقاً لشهادات من الحضور، ترسل شخصاً بلباس مدني يهدد إدارة المكان بالإغلاق أو دفع غرامة كبيرة إذا ما شوهدت فتاة تدخن النرجيلة، لأن ذلك يخدش الحياء العام. هذه المواقف لم تكن موثقة بشكل رسمي بسبب عدم اصدار حماس وحكوماتها السابقة قرارات مكتوبة تمنع تصرفات كهذه خشية ردود الأفعال الرافضة لها.

هذه السهرات مكلفة مادياً إذا ما قورنت بأوضاع الغزيين الاقتصادية. فمتوسط ما يدفعه الفرد الواحد مقابل وجبة عشاء وبعض الطلبات الخفيفة يصل تقريباً إلى 30 دولاراً أمريكياً، ما يجعل حضور هذه الحفلات يقتصر على الميسورين.

في المقابل، يقصد معظم أهالي القطاع ذوي الدخل المنخفض أماكن أخرى تناسب أوضاعهم المادية، مثل كورنيش غزّة الجديد الذي أنشئ قبل عامين. الازدحام الشديد الذي يشهده الكورنيش يومياً يعكس عشق الغزيين للحياة والأوقات الجميلة. ربّ إحدى العائلات الميسورة، قال لرصيف22 إنّ عائلته تخرج أسبوعياً إلى الكورنيش لتغيير الجو والهروب من الأزمات الكثيرة وأهمها انقطاع التيار الكهربائي 12 ساعة يومياً.

مع أجواء الصيف، وارتفاع درجات الحرارة وقلة الأماكن التي من الممكن الخروج إليها، علاوة على الأوضاع الاقتصادية المتردية، لم يتبقَّ أمام الغزيين سوى الكورنيش كمتنفس وملجأ.

لا يمكن تخيّل كورنيش غزّة بدون الباعة المتجولين بعرباتهم البسيطة. الذرة المشوية والبطاطا الحلوة والمكسّرات تعدّ من أهم الخيارات المتاحة للأُسر الباحثة عن السهر على الكورنيش. لا تنسى العائلات إحضار الراديو للاستماع إلى الأغاني.  أصوات المغنيين والمغنيات تعلو من بين كل جلسة عائلية، أو من مسجلات السيارات المنتشرة على أطراف الكورنيش. ينعكس ذلك على التكلفة المادية، إذ يمكن أن تخرج مع عائلتك إلى الكورنيش ولا تدفع عن الشخص الواحد أكثر من خمسة دولارات.

أما الشباب العازبون، فإن وجودهم في السهرات العائلية في الفنادق شبه مستحيل. وبسبب عدم اندماج غالبيتهم مع عائلاتهم في رحلاتها إلى الكورنيش، وفي غياب دور السينما وأمكنة ترفيهية مخصصة للكبار، تصبح المقاهي المكان الوحيد المتاح لهم لإمضاء سهراتهم.

من الصعب أن تجد كرسياً فارغاً بعد الساعة التاسعة مساءً في أيٍ من المقاهي المنتشرة على شاطئ بحر غزّة. فإلى النرجيلة ولعب الورق، هنالك مباريات كرة القدم التي جعلت المقاهي تتنافس في التزين بصور اللاعبين ورايات أنديتهم. ومع بطولة كأس العالم، تمتد ساعات السهر إلى الفجر لمتابعة المباريات، بسبب عدم تمكن معظم سكان غزة من تغطية تكاليف شراء أجهزة الاستقبال الخاصة بالبطولة.

صحيح أن غزّة تعاني من حالة سياسية واقتصادية صعبة، لكنها تحاول التغلب على أوضاعها بالبحث عن الحياة الطبيعية المتعطشة لها.

Print

التعليقات

المقال التالي