لا قوارير غاز في مطابخ العراق

لا قوارير غاز في مطابخ العراق

خرج أبو علي في الساعة الخامسة فجراً، يدحرج أمامه قنينة الغاز الفارغة، كي يملأها من المحطة التي تبعد عن بيته نحو كيلومتر، في منطقة الحرية، شمال بغداد.

فبائع الغاز الذي اعتاد المرور في الحيّ أكثر من مرّة في الأسبوع، طال غيابه، فاضطر السكان إلى الاتكال على أنفسهم لملء قوارير الغاز. قال أبو علي عن البائع الجوّال: "كان يزعجنا بصوت المنبّه الذي كان يستعمله، لكننا الآن بتنا نتمنّى سماعه".

يومان مرّا، وأمّ علي تطبخ على النفط، باستخدام أداة يطلق عليها العراقيون اسم "لمبة"، وتتمتم في ضجر واضح: "مقاتلو" داعش" قطعوا الغاز عن بغداد، هكذا تقول جاراتي اللواتي يطبخن هن أيضاً على النفط".

لكن المسؤول عن محطة الغاز في الحرية، عادل الساعدي، يقول كلاماً آخر، مفاده أن لا وجود لأزمة في تجهيز الغاز، وأن المحطة تتسلم يومياً الكمية نفسها التي كانت تتسلّمها قبل الأحداث. ورفض الساعدي أن يفصح عن هذه الكمية، وعن عدد العوائل التي تعتمد على محطته للتزوّد بالغاز.

كذلك يؤكد غالب الزاملي، عضو مجلس محافظة بغداد، أن ليس هنالك أزمة في الغاز المستعمل في الطبخ، يقول: "الزحمة الحاصلة أمام محطات الوقود من أجل شراء اسطوانات الغاز جاءت نتيجة قيام المواطن بتبديل جميع الاسطوانات التي في منزله وتخزينها لتخوفه من الوضع الحاصل في البلد".

ولفت إلى أن "الأزمة مستمرة في بعض المناطق التي تشهد توتراً أمنياً خاصة في أطراف بغداد".

ومع هذا، فان الهجوم الذي يشنه مقاتلو التنظيم حالياً على أكبر مصافي النفط الخام في العراق، الواقع في قضاء بيجي التابع لمحافظة صلاح الدين، يهدد نحو 170 الف برميل من مشتقات النفط التي يكررها المصفى يومياً، وتستعمل في النقل والطبخ، مثل البنزين والنفط الأبيض، والديزل. ومعروف أن نجاح داعش في السيطرة على المصفى، لن يمكّن التنظيم من شلّ مرافق حيوية كثيرة فحسب، بل انه قد يمكّنه أيضاً من إفشال حرب الطاقة التي بدأتها الحكومة المركزية، بعدما أعلنت فصل المناطق الشمالية عن شبكة الكهرباء الوطنية، وايقاف امدادات المشتقات النفطية إلى تلك المناطق، وهو ما أقلق مقاتلي الميليشيات السنية، الذين سيضطرون إلى ايجاد بديل من التجهيزات الحكومية وتوفير ملايين الأطنان من النفط والديزل والبنزين، لتشغيل موّلدات الكهرباء الأهلية والمنزلية في فصل الصيف الحارّ، الذي بدأ لتوّه.

عدا أزمة الغاز، يتخوّف المواطنون في العاصمة من هبوب أزمة غذائية، لفقد لجأ الكثير منهم إلى تخزين السكر والرز وزيت الطعام بكميات كبيرة، فارتفعت أسعار هذه المواد الضعفين.

 وفي هذا الإطار، يؤكّد أن المجلس يبحث موضوع ارتفاع أسعار المواد الغذائية من أجل التوصل إلى آلية لخفضها، لافتاً إلى أن "هذا الارتفاع طبيعي وهو يحدث دوماً في مثل هذه الأيام من كل سنة مع اقتراب حلول شهر رمضان، لكن الوضع الأمني سمح للتجار وضعاف النفس بالتلاعب في أسعار المواد الغذائية".

وأضاف أن "المجلس طلب إلى وزارة التجارة بأن تضاعف الحصة الغذائية للمواطنين خلال هذا الشهر بخاصة مادة الطحين"، مبيّناً أن "أعضاء مجلس المحافظة يقومون الآن بجولة ميدانية في الأسواق الرئيسة لمتابعة الأسعار ومراقبة الوضع وتحذير التجار من التلاعب بالأسعار وحثّهم على التعاون في هذه المرحلة الحسّاسة".

ويقول التاجر حسين عبد الله، الذي يمتلك مخزناً كبيراً في منطقة جميلة التجارية، شرق بغداد، إن الجزء المتعلق بعدم وجود شحّ في التجهيزات الغذائية، خاصة المستورد منها، هو صحيح. لكنه يشير إلى أن "هنالك عدداً كبيراً من التجار يحتكرون المواد الغذائية، وهذا تسبب بإرباك السوق خاصةً أن هؤلاء التجار يسيطرون على الجزء الأكبر من تجارة المواد الغذائية في بغداد".

ويبدو أن عبد الله غير مقتنع بجهود مجلس المحافظة. وحجّته أن المجلس لا يمتلك صلاحية محاسبة التجار أو فرض أوامر عليهم، كما أن ثمة مبالغ من المال تدفع إلى الاشخاص المناسبين لاسكات فرق الأمن الاقتصادي أو وزارة التجارة. ويضيف: "مع هذا فإن الاسعار لم تشهد صعوداً كبيراً، واذا كان هناك زيادة، فهي تأتي من تجار المفرق، وليس منا".

لكنّ أبو علي يقول إنه اشترى الرز ذا الجودة المنخفضة، بسعر يبلغ خمسة أضعاف سعره قبل الأزمة "كيس الرز ذو الخمسين كيلوغراماً الذي توزع الدولة علينا، كان بسعر خمسة آلاف دينار (دولاران ونصف الدولار تقريباً)، قبل الأزمة، والآن هو بخمسة وعشرين الفاً (اثنان وعشرون دولاراً تقريباً)".

الدولار هو أيضاً لم يشهد سعره ارتفاعاً كبيراً. فقبل الأحداث كان سعره 1200 ديناراً، وهو الآن 1240 ديناراً، علماً أن الكثير من العراقيين راحوا يحولون أموالهم إلى العملة الصعبة.

وبرغم المجريات غير المستقرة، تبقى المخاوف من تأثيرات الأحداث على الاقتصاد مقتصرة على المبالغ الهائلة التي تصرفها الحكومة على القتال. ويجمع الخبراء على أن الوضع الاقتصادي غير مقلق، فمن بين 3 ملايين ومئتي ألف برميل ينتجها العراق يومياً من النفط الخام، تنتج البصرة، ذات الغالبية الشيعية في الجنوب، مليونين وستمئة ألف برميل منها، فيما تنتج ذي قار المجاورة نحو مئتي ألف برميل، وحقول ميسان المتاخمة لهما تبدو واعدة هي كذلك. إن هذه الكميات تصدر من موانئ هذه المحافظة المطلة على الخليج العربي. لذا فإن الحكومة لن تقلق، حالياً على الأقل، من أيّ نقص في التمويل.

وباستثناء حقول نفط خانة والمنصورية في محافظة ديالى التي تشهد توتراً كبيراً، وكركوك التي تقع تحت سيطرة قوات البيشمركة الكردية والتي رُبط انتاجها بانتاج إقليم كردستان الذي يصدّر عبر تركيا، بدون أي سيطرة من بغداد، فإن الانتاج العام لن يتأثر كثيراً، وستبقى بغداد مسيطرة على النسبة الكبرى منه، في حين يواجه مدنيو الموصل وصلاح الدين نقصاً حاداً في التموين قد يكون أحد أكبر التحدّيات التي تواجه الميليشيات المتشددة والمحصورة خبرتها في مجال ادارة الدولة بفرض تعاليم أصولية، كعدم السماح للنساء بالخروج من منازلهن، ومنع تدخين السجائر.

التعليقات

المقال التالي