الوجه الآخر لـ"المونديال"

الوجه الآخر لـ"المونديال"

فتاة عمرها 8 أعوام عرضت نفسها على رجل في محطة للوقود في البرازيل، ولم تطلب سوى نصف دولار. صودف أن الرجل زميل للبرلمانية دمارس ألفيز Damares Alves التي تقف وراء عدد من مشاريع التوعية الاجتماعية. هذه الفتاة هي واحدة من مئات مثلها ينتشرن في الشوارع باحثات عمن يدفع لهن مقابل دقائق من المتعة.

ففي الاحصاءات أن 40000 طفل يتمّ التبليغ عن اختفائهم سنوياً في البرازيل، وقرابة 34000 يتمّ استرجاعهم، ويبقى مصير 6000 مجهولاً. أرقامٌ كشفها تحقيقٌ مصوّر يحمل عنوان 1Real.  ، بعدما سلّط الضوء على السياحة الجنسية في البرازيل، وعلى أخطار تفاقمها مع تدفق مئات الآلاف من عشّاق كرة القدم إلى بلاد البن والسامبا.

لا يحصى عدد الفتيات والفتيان الذين يحومون حول ملاعب كرة القدم، وكلهم أتوا من بيئة فقيرة جداً تخنقها المشاكل الاجتماعية، وهم يقولون إنهم يفضلون ممارسة الجنس مقابل المال على أن يتم الاعتداء عليهم مجاناً من قبل أفراد العائلة. الأهل في غالب الأحيان يقومون بالتجارة بأولادهم للتزوّد ببعض الأكل وكماليات الحياة اليومية، كما أن سماسرة البغاء كثر في الأزقة والأحياء الفقيرة، وهم يبيعون الفتاة بـ. 10000$ وللمشتري أن يستثمرها جنسياً. ومعروفة ظاهرة الفتيات اللواتي دخلن عالم الإدمان على ما يسمّينه "كولا"، وهو مادة غروية يتنشقنها دون توقف من قارورة بلاستيكية فيشعرهن بالدوار والخدر ، لينسين شعور الجوع.


ومعلوم أيضاً أن مشكلة استثمار الأطفال جنسياً متجذّرة في ثقافة البرازيليين. وتتحدث عنها الأساطير القديمة والأدب والفنون، ولا أحد يبلّغ عن معظم الحالات الخارجة عن القانون. ففي البرازيل الدعارة مسموحة لمن بلغ الثمانية عشرة، وهذا ما يدفع الفنادق والمستثمرين الجنسيين على تزوير هويات الصغاروالسمسار على استخدام 10 فتيات في الليلة الواحدة، 5 زبائن لكل فتاة خلال ساعات قليلة. 20%  من المبلغ الذي يدفعه الزبون يذهب للفتاة، و60% للسمسار، و20% مصاريف غرفة الفندق. وقد بلغ مردود التجارة الجنسية عالميا 32 مليار دولار في السنة.

حالياً، تغوص بعض وسائل الإعلام العالمية في كواليس مونديال كرة القدم، لتسليط الأضواء على أسرار المدينة التي صرفت قرابة 11 مليار دولار استعداداً للمناسبة. ومن تلك الأسرار الاستثمار الجنسي للقاصرين والأطفال. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سيزيد مونديال كرة القدم فعلاً من البيع الجنسي لأطفال البرازيل أم الأمر مجرد لعبة إعلامية على موضوع حساس لجذب القرّاء والآراء؟

ليس مستوراً أن حملات إعلامية وإعلانية عدة انطلقت في البرازيل وخارجه قبل بدء المونديال، للتوعية في شأن موضوع التجارة الجنسية التي تستهدف الأطفال، ولتحذير السيّاح من الوقوع في فخ الاستغلال الجنسي لدى مكوثهم في البرازيل.

حملة It’s a Penalty هددت بمقاضاة كل من يتورط بقضية جنسية مع طفلٍ دون السابعة عشرة. كذلك تعاونت شرطة المملكة المتحدة والسلطات البرازيلية من أجل وضع حدّ لاستغلال الأطفال جنسياً مع تدفق السياح غير المسبوق. وأطلق الفاتيكانحملة واسعة تؤكد أن الألعاب الرياضية العالمية تجذب تجارة البشر، وأن تجارة الأطفال ازدادت بنسبة تراوح بين 30% و40% خلال دورتين من كرة القدم في ألمانيا وأفريقيا الجنوبية، ورجّحت جريدة Folha de S. Paulo البرازيلية أن يتضاعف سوق الدعارة 60% خلال المونديال.

 

علماً أن هذا النوع من الجرائم لا يقتصر على مونديال كرة القدم بل تصيب أيضاً الألعاب الرياضية العالمية كافة. يؤكد موقع ryot.org أن الاستخبارات الأميركية أنقذت 16 طفلاً من التجارة الجنسية المجبرة قبل انطلاق الـSuper Bowl في نيويورك هذا العام.

وكان جاء في تقريرٍ صدر في العام 2009 عن الاتحاد الأوروبي أن عدد الزبائن انخفض في بعض بيوت الدعارة في مونديال ألمانيا. وهذا أمرٌ أكّدته الـNew York Times آنذاك. بدورها أكّدت دراسة صادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، أن العرض والطلب على الجنس لم يرتفعا خلال مونديال جنوب أفريقيا في العام 2010. وفي العام نفسه انتقدت مجلة Spiked البريطانية الأرقام الخيالية التي يتداولها الإعلام والمنظمات عند كل انطلاق مباراة رياضية.

أمّا موقع Slate الفرنسي فيرى أن الاستفادة من مونديال كرة القدم لتوعية الجمهور حول مسائل الجنس، أمر جيد، مندداً بالحملات الساذجة والأرقام الخيالية والأخبار غير الواقعية المتعلقة بتجارة الدعارة.

في موازاة ذلك، أكدّت مصادر موثوق بها صحة ارتباط ازدهار التجارة الجنسية، وخصوصاً  تجارة دعارة الأطفال، بالألعاب الرياضية العالمية، بحسب قول ستيف تشوك Steve Chalke، المستشار الخاص في الأمم المتحدة بقسم التجارة البشرية، في الشريط الوثائقي “1Real”.

وقد تحدث صحافيون وبرلمانيون في الشريط نفسه عن تجارة جنس القاصرين الرائجة في البرازيل، منبّهين إلى أنه ليس هناك، ببساطة، طفلة تنام أميرة وتستيقظ بائعة جنس، من دون وجود عقول إجرامية مخطّطة للكسب المادي السهل والسريع. ولفتوا إلى ضرورة أخذ الأمر على محمل الجد هذه المرة، "لأننا لسنا لا في ألمانيا ولا في أفريقيا الجنوبية. فإذا تمكن هذان البلدان من لجم تلك الظاهرة، فالبرازيل لا تملك القدرات التي تمتلكها المانيا، خصوصاً أن نسبة الإجرام عالية في شوارعها".

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي